دروس الحياة

بقلم / عبد العزيز الطباخ
… ثمة لحظات نهرب فيها من الحياة .. نلوذ بالصمت والسكون .. نتحاشي الحديث مع أحد ، أو حتي مجرد الهمس .. لا لأننا تفتقر إلي فصاحة الكلمة .. بل لأننا تعبنا ، وشعرنا بما لا تستطيع الكلمة التعبير عنه .. أو أن قلوبنا قد إمتلأت بما تعجز عن حمله ، أو حين نكتشف أن الكلمة لا جدوي منها ، ولا يوجد من يقدر معناها أو يجيد استقبالها أو الشعور والإحساس بها .. هنآ : لا يكون الصمت عجزا عن الكلام ، أو ميلا إلي السكون والوحدة ، ولكن أصبح الجدال لا طائل منه ، كصباح عابس بلا نسائم .. هنآ ــ وبحق ــ يكون الصمت أبلغ من الكلام …
… وكثيراً مايختل توازن الإنسان ، وينطفيء وميض صوته من التعب ، ويضيق صدره بما يحدث حوله ، فتغدو روحة أقل حماسة أو رغبة فى الحديث .. والصمت كثيراً ما يكون تعبيراً عن الألم الممضي ، يشبه في ذلك صدى الناي يعزف لحنا حزينا فى البرية .. وقد يكون الصمت عزوفا عن البشر أو عتابا للحياة ، أو حوارا مع النفس .. وربما يكون فراراً ، أو نجاة من الوقوع بين مخالب اليأس وألم الحقيقة …
… إن مواقف الحياة كثيراً ما تحرمنا من لحظة نلتقط فيها أنفاسنا .. ولا تترك لنا مساحة يتريض فيها العقل ، أو يستريح الفؤاد .. تلك المسافة الهشة بين الواقع وبين المجازفة بقول الحقيقة ، تمثل لنا واقعا مؤلما يكاد ينهشنا بين أنيابه …
… ورغم أن الخذلان والأزمات لا يخلو منها إنسان ، إلا أنها لا تمر بالإنسان الحساس مرور الكرام ، أو تعبر حياتنا مرور العابرين خاصة إذا اشتد أوارها .. بل تترك فى نفوسنا أثرا لا يمحي ، وفي القلب ندبة لا تري .. قد يلتئم الجرح مع الزمن ، وقد تستعيد الحياة رونقها من جديد .. لكن الإنسان لا يعود كما كان قبلها .. فالصدمات ليست مجرد لحظات عابرة ، أو طعنات غادرة .. بل هي محاور تعيد تشكيل الوعي والروح .. قد يطيب الجرح ، ويخفت صوت الوجع ، ولكن شيئاً ما بداخلنا يتغير إلي الأبد …
… والألم ــ رغم قسوته ــ يطهر أرواحنا .. ويعري لنا حقيقة الآخرين ، ويفضح نواياهم .. كما يكشف لنا أيضاً حقيقتنا ، تماما كما تكشف لنا المواقف والعثرات حقيقة الآخرين .. لا أحد يستطيع الكذب في حضرة الألم ، فهو كاشف للحقيقة …
… قد ننسي الألم بمرور الزمن ، وقد ننجو من الصدمات ، لكننا لا ننسي أثرها في النفس ، ولا نخرج منها كما دخلنا .. فكل ألم ، وكل جرح ، وكل وجع ، وكل آهة ، وكل خذلان يحدث بداخلنا شرخا عميقاً لا يراه غيرنا .. لكنه رغم الحزن ، ورغم المعاناة ، ورغم الانكسار ، يترك بداخلنا شيئاً من الحكمة ، والفهم ، والتعلم من دروس الحياة شيئاً لم يكن لنا أن نتعلمه إلا بعد أن نكتوي بنار الألم …
… لكننا ــ فى النهاية ــ لن نعود كما كنا من قبل ..
… فلم نعد نحتمل مزيداً من طعنات الغدر …..
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””“””



