مقالات
أخر الأخبار

بعد أن توفي أستاذه… طالب ينشر دعاء قاسٍ عليه على مواقع التواصل! إلى أين وصلنا؟!

بعد أن توفي أستاذه… طالب ينشر دعاء قاسٍ عليه على مواقع التواصل! إلى أين وصلنا؟!

 

بقلم: د. سامح فرج حموده – باحث في قضايا الإعلام والمجتمع

 

انتشرت مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات لطالب جامعي يدعو على أستاذه المتوفى دعاءً قاسيًا فيه لعن، وشماتة، وتشهير، وذلك بدعوى أن الأستاذ قد ظلمه أثناء حياته.

وقد أثارت هذه المنشورات موجة من الغضب والتساؤلات: هل يليق بنا كمسلمين أن نشمت في الموتى؟ وهل يجوز شرعًا فضح الميت والدعاء عليه بهذه الصورة؟ وأين خُلق التسامح والستر والرجوع إلى الله؟

 

🔹 هل هذه أخلاق الإسلام؟

لقد حذرنا الإسلام من الاعتداء في الدعاء، حتى لو كان الإنسان مظلومًا. قال الله تعالى:

 

﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ (الأعراف: 55)

وقال سبحانه:

﴿ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ (الأنعام: 164)

 

قال الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآية: لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل يُجازى بما كسبت يداه.

 

🔹 الموت ليس وقت تصفية الحسابات

جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ:

“اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم”

📚 رواه النسائي في السنن الكبرى (4/ 97) وصححه الألباني

فإذا كان الميت قد أفضى إلى ربه، فإن الله وحده هو العدل الحق، يحاسب كل عبد على نيته وفعله.

قال رسول الله ﷺ:

“إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم”

📚 رواه البخاري (6478)

 

🔹 الصحابة… وسعة الصدر والستر

عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

 

“لا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملًا”

📚 رواه ابن أبي الدنيا في “الصمت وآداب اللسان”

فكيف إذا خرجت الكلمة لتشهر بميت؟ أين ستر المسلم لأخيه المسلم؟ وأين التخلق بأخلاق من سامحوا من أساؤوا إليهم؟

 

🔹 الدعاء بالعدل لا بالانتقام العلني

الدعاء على الظالم مشروع، لكن بضوابط، وليس على الملأ.

قال النبي ﷺ:

 

“اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب”

📚 رواه البخاري (2448)

لكن لم يقل ﷺ “ادعُ على من ظلمك أمام أهله وعلى الإنترنت”!

 

🔹 الستر في الدنيا ستر في الآخرة

قال ﷺ:

“من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة”

📚 رواه مسلم (2590)

فمن منا لا يخاف أن يُنشر له موقف أو خطأ بعد موته؟ هل تحب أن يشهر بك أحد بعد وفاتك؟ فما بالك إذا ظلمك دون وجه حق؟

🔹 منصب أو دنيا… زائلة

من المعيب أن يُشهر الإنسان بأستاذه من أجل منصب أو ترقية، فالوظائف تزول، والناس تنسى، لكن الله لا ينسى.

قال تعالى:

﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ (يوسف: 76)

وكل من ظلمك سيقف يومًا أمام من لا تخفى عليه خافية، فاصبر، وسامح، واحتسب الأجر.

 

لا تنشر شماتتك… فغدًا دورك.

 

فكلنا بشر، وكلنا نخطئ ونصيب، وأشد الظلم أن نظلم أنفسنا بالدعاء الفاجر، والشماتة في الموتى، والتشهير بهم في زمن التهافت على “التريند”.

لعلّ من تدعو عليه اليوم يقف بين يدي ربّ كريم غفور فيغفر له، وتقف أنت بكلمة نشرتها تُهوي بك في النار… فتب إلى الله، واسأله العدل، لا التشفي، وادعُ لنفسك بالهداية قبل أن تُساق إلى مصيرك.

 

“فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ”

(الغاشية: 21-22)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى