التكنولوجيا والمجتمع: مسارات التطور وتحديات التكيف

حوار: العربي إسماعيل
مع الأخصائية التكنولوجية منار النجدي
في ظل التسارع الرقمي الذي يشهده العالم اليوم، لم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات نستخدمها، بل باتت نسيجاً يحيط بجميع تفاصيل حياتنا الاجتماعية والاقتصادية. ولتسليط الضوء على هذه العلاقة الجدلية، التقى الزميل العربي إسماعيل بالأخصائية التكنولوجية منار النجدي، في حوار خاص لجريدة “الصدارة الدولية”.
المقال التمهيدي: عصر التحول الكبير
يعيش المجتمع البشري اليوم في قلب “الثورة الصناعية الرابعة”، حيث أصبحت الحدود بين العالمين الواقعي والرقمي تتلاشى. إن التطور التكنولوجي لم يعد يقتصر على تحسين سبل الإنتاج، بل امتد ليغير طبيعة العلاقات الإنسانية، وطرق التعلم، وحتى آليات اتخاذ القرار داخل الأسرة والمؤسسة. وبينما يرى البعض في هذا التطور “نعمة” توفر الوقت والجهد، يراه آخرون “تحدياً” يهدد الخصوصية ويضعف الروابط الاجتماعية المباشرة.
نص الحوار
العربي إسماعيل: أهلاً بكِ أستاذة منار. نلاحظ اليوم أن التكنولوجيا تسبق أحياناً قدرة المجتمعات على التكيف. كيف تقرئين هذه العلاقة؟
منار النجدي: أهلاً بك أستاذ العربي. سؤال جوهري. الحقيقة أننا نمر بمرحلة “الفجوة التكيفية”؛ فالتكنولوجيا تتطور بمتوالية هندسية، بينما تتطور الثقافة المجتمعية بمتوالية حسابية. هذه الفجوة طبيعية تاريخياً، لكنها اليوم أكثر حدة بسبب الذكاء الاصطناعي. العلاقة ليست مجرد علاقة “مستخدم بأداة”، بل هي علاقة “تغيير هيكلي”؛ التكنولوجيا اليوم تعيد تشكيل مفاهيمنا عن العمل، والترفيه، وحتى الهوية الشخصية.
العربي إسماعيل: هل تعتقدين أن التكنولوجيا ساهمت في تعزيز الروابط الاجتماعية أم أضعفتها؟
منار النجدي: هي سلاح ذو حدين. تقنياً، نحن أكثر اتصالاً من أي وقت مضى، يمكننا التواصل مع أي شخص في العالم بضغطة زر. لكن، من الناحية السيكولوجية، قد تسبب هذه “الرقمنة” شعوراً بالوحدة في ظل الحشود. التحدي ليس في التكنولوجيا نفسها، بل في كيفية “أنسنة” استخدامنا لها. نحن بحاجة إلى وعي مجتمعي يوازن بين الاستفادة من الامتيازات الرقمية والحفاظ على الدفء الإنساني في اللقاءات المباشرة.
العربي إسماعيل: ننتقل لمحور العمل. الكثيرون يخشون من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر. ما هي رسالتك للمجتمع في هذا الجانب؟
منار النجدي: الخوف من المجهول طبيعي. لكن التاريخ يعلمنا أن كل ثورة تكنولوجية تنهي وظائف وتخلق بدائل أكثر إبداعاً. الذكاء الاصطناعي لن يستبدل الإنسان، بل سيتطلب “إنساناً يمتلك مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي”. المجتمع الذي يستثمر في إعادة تأهيل قواه البشرية للعمل جنباً إلى جنب مع الآلات هو الذي سيكسب الرهان.
العربي إسماعيل: كلمة أخيرة لقراء “الصدارة الدولية” حول كيفية التعامل مع هذا الزخم التكنولوجي؟
منار النجدي: نصيحتي هي “السيادة الرقمية”. لا تكن عبداً للخوارزميات، بل كن سيدها. استخدم التكنولوجيا لتحقيق أهدافك، لا لتشتيت انتباهك. التعلم المستمر، والوعي الأمني الرقمي، والحفاظ على التوازن بين الواقع والافتراض، هي الركائز الثلاث التي تحفظ للمجتمع توازنه في هذا العصر الرقمي.
ختاماً
يؤكد هذا الحوار مع الأخصائية منار النجدي أن التطور التكنولوجي ليس قدراً مفروضاً علينا، بل هو مسار يمكن توجيهه. إن الوعي بطبيعة هذه الأدوات يظل هو خط الدفاع الأول لضمان بقاء التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا العكس.
تم الحوار في: جريدة الصدارة الدولية
قطاع القناة ودمياط
السبت ١١ ابريل ٢٠٢٦




