بقلم الشيخ القاسم محمد جعفر
إمام بأوقاف المنوفية
الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
حينما نتأمل دين الإسلام العظيم نجد أن الإسلام ينظر إلى الآثار كشواهد حضارية تحمل العبرة والتاريخ،
والمحافظة على الآثار الدينية والتاريخية أمر مهم لربط المسلمين بتاريخهم وربطهم بوقائع الماضي.
والمحافظة على الأماكن والمباني التاريخية والأثرية ذات الطابع التاريخي الديني من المطلوبات الشرعيةوالمستحبات الدينية التي حثت عليها الشريعة، لأن فيها تعظيمًا لِمَا عظَّمه الله تعالى من الأيام والأحداث والوقائع والأشخاص والأعمال الصالحة التي حصلت فيها أو ارتبطت بها، فهي تُذَكِّر المسلمين بماضيهم وتربط قلوبهم بوقائعه وأيّامه، والله تعالى يقول في كتابه الكريم ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ (إبراهيم: 5) فهذا أمر مُطْلَق بالتذكير بأيام الله، التي هي وقائع الله في الأزمنة السابقة، فكُلّ ما يحصل به هذا التذكير يكون وسيلةً لتحقيقه، فيكون مطلوبًا شرعًا؛
ولا يتعارض الإهتمام بالآثار ودراسة التاريخ مع الدين، بل يحث القرآن الكريم على السير في الأرض والنظر في مصير الأمم السابقة لاستخلاص العبرة منها قال تعالى (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ )
وتُعد الآثار صفحات من التاريخ الإنساني المشاهد، ودراستها هي دراسة تاريخ وتذكرة وعبرة تساعد في بناء المستقبل. وقد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هدم سور المدينة والذي يعد آثار قال صلى الله عليه
(لَا تَهْدِمُوا الْآطَامَ، فَإِنَّهَا زِينَةُ الْمَدِينَةِ) “الآطام” هي حصون المدينة، ويعد هذا بيان واضح بالحفاظ على الآثار، ويُعتبر هدمها تعديًا على ما يُزين المدينة ويُمثّل قيمتها التاريخية والحضارية، والآثار الإسلامية المختلفة حث دين الإسلام علي المحافظة عليها فمنها ما يذكرنا بالواقع التاريخي كالصفا والمروة التي كانت السيدة هاجر -رضي الله عنها- تتردد بينهما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة: 158
وقال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾البقرة: 125 وقد جاء في تفسير المقام أنه الحَجَر الذي فيه أثر قدمه، أو الموضع الذي كان فيه الحَجَر حين قام عليه ودَعَا الناس إلى الحج، أو رَفَعَ بناءَ البيت وهو موضعه اليوم. واتخاذه مصلى: أن يُدعى فيه، ويُتَقَرَّب إلى الله تعالى. فالأمر باتخاذه مُصلًّى يَلزم منه المحافظةُ عليه، وعلى تعيين موضعه، وإظهاره للناس
فتعظيم ما عَظَّمه الله تعظيمٌ بالله، والتعظيم بالله تعظيمٌ لله؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ الحج 32 كما أن طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طاعةٌ لله تعالى الذي أرسله قال تعالى ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ )النساء: 80
ويعد من الآثار الإسلامية بيوت الله تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)(النور: 36)
وهذا دليل علي قدسية المساجد والمحافظة عليها فعندنا بمصرنا الغالية مساجد تاريخية و أثرية ومساجد آل البيت خاصة وجب الحفاظ عليها ورعايتها وعدم التعرض لما فيها من آثار
أما كون ذلك من ذرائع الشرك؛ لأنه يؤدي إلى أن يعتقد العوام بَرَكَة تلك الأماكن، فهو مبني على خَلَلٍ في مفهوم الشرك؛ فالشرك تعظيمٌ مع الله أو تعظيمٌ مِن دون الله؛ ولذلك كان سجودُ الملائكة لآدم عليه السلام إيمانًا وتوحيدًا، وكان سجودُ المشركين للأوثان كفرًا وشركًا مع كون المسجود له في الحالتين مخلوقًا، لكن لَمَّا كان سجودُ الملائكة لآدم عليه السلام تعظيمًا لِمَا عَظَّمه الله كما أمر الله كان وسيلةً مشروعةً يَستحق فاعلُها الثواب، ولَمَّا كان سجود المشركين للأصنام تعظيمًا كتعظيم الله كان شركًا مذمومًا يَستحق فاعلُه العقاب.
ومن شأن العقلاء في كل الأمم احترام آثار سلفهم ومقدميهم، وقد جرى الصحابة والتابعون وعلماء الأمة وأئمتها من الفقهاء والمحدثين والمؤرخين على تعظيم هذه الأماكن والآثار الدينية، وعدوا ذلك تعظيمًا للشريعة
أما بالنسبة لزيارة الأماكن الأثرية فهو مباح إن كان بغرض العِبرة والعظة والاعتبار بآثار الأمم السابقة
ولا مانع شرعًا من إقامة المتاحف ووضع التماثيل فيها، لأن التماثيل في عصرنا لا يُقصد بها مضاهاة خلق الله، ولا يُقصد بها العبادة والتقديس ولم يأمر الصحابة بهدم الاهرامات ولا المعابد الفرعونية القديمة حينما فتحوا مصر والذي يجب علينا معرفته أن الفراعنة منهم من كان يعبد الله تعالى والمتحف المصري الكبير ليس مجرد مناسبة ثقافية أو أثرية بل هو حدث وطني كبير يعبر عن تقدير مصر لتاريخها الممتد عبر آلاف السنين، ويبعث رسالة إلى العالم تؤكد أن الأمة التي صانت آثارها بإتقان، قادرة على أن تصون قيمها وهويتها ومبادئها الأصيلة وعليه فزيارة المتاحف مباحة وذلك للإعتبار وللوصول إلى أسباب تقدم هذه الحضارة العريقة
نسأل الله تعالى أن يحفظ مصر من كل مكروه وسوء وصلي الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين