مقالات
أخر الأخبار

خواطر راقيه

• بقلم الكاتب : عبد العزيز الطباخ

“””””””””””””””””””””””””””””

… فى حياة كل إنسان لحظات مفصلية يترتب عليها آثار تبني أو تهدم ، تعمر أو تدمر .. كقرار أتخذ فى لحظة غضب ، أو كلمة قيلت فى توقيت خاطيء .. قرار أو لحظة واحدة قد تغير مصير إنسان ، أو حدث صغير قد يبدو عاديا أو عابرا لكنه يشعل في القلوب شرارة الحب أووقود الكراهية …

 

… إن حياتنا لا تتشكل من الأحداث أو المواقف الكبيرة ، بل تتشكل فى أغلبها من التفاصيل الصغيرة ، والمواقف النبيلة التي يتحلي بها العظماء من البشر .. فهناك تفاصيل صغيرة : كلقاء عابر أو ابتسامة صافية أو نظرة عطف أوشعور بالحنان من وجوه نرتاح إليها ، إنها لحظات قد تبدو عادية في نظر صاحبها ولكنها لا تنسي ، لأنها تزرع بداخلنا حدائق من الجمال والذكريات ، وتمنح الأمل لقلوب أرهقها طول المسير …

 

… كانت السعادة في الماضى تنبع من أشياء بسيطة : جلسة عائلية ــ نزهة في الطبيعة ــ كتاب نحبه ــ كوب شاي مع حبيب أو صديق في وقت صفاء ــ فنجان قهوة فى لحظة تأمل ــ وجبة بسيطة جلوسا علي الأرض من غير تكلف .. لحظة نبكي فيها أو نضحك أو نركض دون أن نخجل من نظرات الآخرين .. لحظة نجلس فيها تحت ظل شجرة أو على سطوح بناية نرقب لحظات الغروب .. لحظات بسيطة لن تكلفنا شيء ، ولكنها قد تنقذ قلبا ربما لا نعرفه .. فنحن لآ نغتني بكثرة مآ نطالب به ، بل بمقدار مآ نستغني عنه وما نشعر به من جمال .. وليست السعادة فى أن نكتنز أو نمتلك أكثر ، بل فى أن نحتاج أقل .. وليست السعادة فى أن نغير العالم ، بل فى أن نصلح ونتصالح مع أنفسنا ومع زوينا خصوصاً شركاء الحياة …

 

… ولقد أثار انتباهي عنوان كتاب ( مت فارغاً ) للكاتب الأمريكي ” توم هنري ” .. ولنا فى تجارب الآخرين عظة شريطة ألا تخالف تعاليم ديننا وقيمنا وعاداتنا .. ولقد أعجبت بفلسفة الكاتب الذي يدعو كل إنسان أن يعيش حياة مليئة بالعطاء ، بحيث لا يغادر الدنيا إلا وقد أعطي الحياة أجمل ما عنده .. ويقول في ذلك : لآ تمت قبل أن تخرج أجمل أغنياتك إلي الحياة .. إنه يذكر القاريء ويدعوه للتصالح مع فكرة الموت لا بوصفه نهاية بل بوصفه حافزاً للحياة ، وأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن فى طول العمر ، بل في إمتلائه بالمعني والعطاء .. وهو ما أشار إليه رسولنا الكريم منذ ألف وخمسمائة عام : ( إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، وأعمل لآخرتك كأنك تموت غداً ) …

 

… جميل جداً أن ننسي همومنا ، ونتجاهل مشاعرنا السلبية .. جميل جداً أن نلتقط أنفاسنا ، وأن نتذكر أشياء جميلة تبعث فى نفوسنا البهجة والشعور النبيل .. جميل جداً أن نتجنب صحبة كل ماهو قبيح أو مشوه …

 

… ويؤلمني كثيراً تزايد ظاهرة العنف والجفاء فى مجتمعنا .. والتي امتدت إلى أقرب الأقربين من الإخوة والجيران والأصدقاء .. والأخطر أنها امتدت لشركاء الحياة ، وتزايد حالات الإنفصال بين أزواج ربما يقيمون تحت سقف واحد …

 

… إن العناد والضغينة الواهنة فينا تزيل وتزوي بلهاثها أمام قوة الحب ، والعشرة الطيبة ، والنبل الإنساني ، خصوصاً بين الأزواج فى عصر يلهث وراء كل ماهو مادي .. إن الحب الحقيقي يحتاج إلى تضحيات ، يحتاج إلي التسامي والتسامح وليس إلي كثرة الشجار أومحاولة كل طرف لفرض رأيه حتي ولو جانبه الصواب .. والحب لا يكتمل إلا بحسن العشرة والاحترام المتبادل بين الزوجين.. أما رأي البعض أن الحب يقتله الزواج ، فهذا لا يكون إلا عندما يفتقد الزواج أحد أعمدته المشار إليها .. فطول العشرة الطيبة تزيد الروابط المقدسة بين الأزواج حتي يأتي وقت يتعذر فيه علي أي طرف الاستغناء عن الآخر ، خصوصاً مع تقدم العمر .. تأخذ منه روحه ولا تأخذ منه شريك الحياة وعشرة العمر …

 

… ولقد قرأت للكاتبة العالمية ( فرجينيا وولف ) .. رواية توثق الحب الأبدي بين زوجين عاشا معا في سعادة عمرا طويلاً ، وربطت بينهم الأيام وعشرة السنين .. وهي رواية : ( البيت المسكون ) .. والتي تتجاوز فيها الكاتبة عالم الواقع باحترافية شديدة .. وهى قصة تحكي عن زوجين عاشا معا قصة حب أبدية تستمر حتي بعد الموت .. فتحكي لنا عن حكاية البيت الذي سكنه رجل وامرأة أحبا بعضهما حبا عظيماً .. ثم ماتت المرأة ، ورحل بعدها الرجل حزنا علي فراقها ، فأظلم البيت من بعدهما وصار خواء .. ثم بعد ذلك يعود الرجل والمرأة في صورة شبحين يبحثان عن شيء ثمين تركاه فى هذا البيت .. يقتربان من بعضهما ، ثم يتعانقان عند مدخل البيت ، وبيدهما مصباح فضي ، ثم يذرفان الدمع تشاركهما جدران البيت .. ثم ينظران فى وجوه النائمين بحثاً عن ذلك الشيء .. كانوا يبحثون عن سعادتهما المفتقدة والتي عاشا سويا تحت ظلالها ذات يوم .. فيقول أحد الشبحين للآخر هنآ عشنا أجمل سنوات عمرنا فى الدنيا .. هنآ تركنا كنزنا .. فتهتز جدران البيت نابضا جامحا ردا عليهما .. إن الشبحين على لسان وخيال الكاتبة أرادا أن يقولا لنا : أن السعادة تستحق فعلاً السعي والمعاناة من أجل الحصول والحفاظ عليها والعيش في ظلالها ، وأن الأشياء الجميلة فى حياتنا لا يمحوها الموت ، بل تبقي ذكراها فى القلوب والأرواح .. وأن هناك ارتباط وجودى بين البيت ودخيلة الإنسان …

 

… وليس ــ فيما سبق مبالغة ــ إلا عند من لم يتذوق جمال الحب والعشرة الطيبة .. فعندما سئل شاعر بروسيا الكبير ( حمزاتوف ) عن أسعد أيامه .. قال : إن أسعد أيامي يوم أحببتني فيه حبيبتي .. وعندما سئل : ألم يصادفك يوم بكيت فيه دون أن تخفي حزنك ؟ فقال : يوم نسيتني حبيبتي .. وعندما سئل عن الحب .. قال : غنوا للحب ولو لمئتي عام .. إن الحكايات تصبح غير ذات معني إن خلت من كلمات الحب .. سأغني للحب كل عمري .

 

… أما شاعر نوبل ١٩٧١ ( بابلو نيرودا ) .. والذي أحب زوجته حبا يفوق الوصف .. فيقول عنها في إحدي قصائده : ــ

 

.. إمنعي عني الخبز إن أردت .. إمنعي عني الهواء ..

.. ولكن لا تمنعي عني ضحكتك ..

.. إن صراعي مع الحياة مرير ..

.. وكثيراً ما أعود إلى البيت متعب العينين ..

.. من رؤية الدنيا التي لا تتغير ..

.. ولكن حين أدخل البيت ..

.. تنطلق ضحكتك إلي الأعالي باحثة عني ..

.. تفتح لي ابواب الحياة ..

.. لا تحرميني من وجودك ..

.. لا تحرميني من ضحكت ..

.. إمنعي عني الخبز والهواء والربيع والنور ..

.. ولكن لا تمنعي عني ضحكتك ..

 

… ثم يعود ويثني علي حبيبته التي يحبها لصفاتها وحنانها .. فيقول : ــ

 

.. ثمة فتيات أطول منك ..

.. ثمة فتيات أصفي منك ..

.. ثمة فتيات أجمل منك ..

.. ولكنك أنت الملكة ..

.. لا أحد يحبك مثلما أحببتك ..

.. ولا أحد يري تاجك البلوري سواي ..

.. ثمة نشيد هناك .. يملأ الدنيا طولا وعرضا ..

.. ولكن لا يسمعة أحد سوانا أنا وأنت فحسب ..

 

“””””””””””””””””””””””””””””””””””

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى