
* هل يمكن لبعض الأشياء أن تعوضنا عن قسوة البشر :
————————————————————-
بقلم الكاتب : عبدالعزيز الطباخ
—————- ——————-
… هل يمكن لبعض الأشياء أن تعوضنا — أحياناً — عن صحبة البشر .. وهل يؤلمنا إفتقاد هذه الأشياء ، كما يؤلمنا إفتقاد البشر .. وهل يمكن للإنسان أن تربطه ذكريات وثيقة بينه وبين تلك الأشياء : كالشجر — أو البحر — أو المسجد — أو حديقة أو مدينة ، أو مكان معين ” كمحطة قطار قديمة تربطنا بها وشائج الذكريات الجميلة …
… أعلم تماماً .. أنه تساؤل يشبه : مآ إذا كنا نستطيع أن نحيا بدون هواء ؟ .. كما أنه يشبه مآ إذا كنا نستطيع أن نغني أو نتحدث ونحن صامتين ؟ .. وهل يجهل البعض أننا يمكن أن نغني ، ونتحدث ، ونحلم ، ونحب ، ونكره ، ونضحك ، ونبكي ، ونحن صامتين .. إن صوت الصمت كثيراً مآ يعلو فوق صوت الضجيج العالي ، لأنه يضطرم ، ويتقد داخل القلب وليس خارجه ، ان الصمت كثيرا مآ يؤلم القلب أكثر ما يؤلم هدير الكلام — كما يحدث معي الآن — وأنا في خلوتي برفقة الليل الصامت ، الصاخب …
… كما يراودني تساؤل ( أدرك معناه ) .. هل الإنتماء إلي تلك الأشياء الصامتة له نفس شغف الإنتماء إلي الأشخاص .. وهل إذا أضطرتنا أحداث الحياة ، أو يئسنا ، أو ذهدنا من جوار بعض البشر ، يمكننا أن نتعايش مع هذه الأشياء طويلاً .. وهل حرماننا من هذه الأشياء يشعرنا بنفس الألم والحزن ، والخواء الروحي والنفسي ، لافتقادنا لأشخاص أحببناهم بكل مشاعرنا ، وتربطنا بهم ذكريات …
… أعلم جيداً أن كل هذه التساؤلات .. الإجابة عليها — حتما — بنعم .. لأني عايشتها ، وعانيت إفتقادها رغم مرور عشرات السنين .. لقد عايشتها كما عايشها غيري وشعر بنفس شعورى .. عشتها بالفعل منذ فجر حياتي .. ولكن وقع تأثيرها فى الطفولة أقوي وأشد تأثراً وتأثيرا .. فمآ تزال شجرة الصفصاف ، وأشجار التوت ، واللبلاب ، ونواح الساقية ، وخرير الماء .. وغيرها .. يتردد صدى ذكرياتها فى قلبي .. وكلما مررت بأطلال أماكنها بعد أن إمتدت إليها يد الفناء ، يثور في قلبي شجن الذكريات ، ويحزن فؤادى ، وتدمع عيني ، على ماضي ولي ، ورحل ، كما يرحل كل شيءٌ جميل فى حياتنا مهما أحببناه وتشبثنا به .. وتزداد معزة تلك الأشياء فى قلوبنا كلما ارتبطت بذكريات أشخاص أحببناهم ، بل قد يكونوا أحب البشر الي قلوبنا .. هنآ كنت أحلم ، وهنآ عشت ، وهنآ أحببت ، وهنآ تاقت نفسي ، وهنا كانت أول نسمات حبي للحياة …
… هنآ يبكي قلبي ، وتتثاقل خطاي ، رغبة فى البقاء بجوار تلك الأطلال ، رغم رحيل هذه الأشياء .. أتدركون الآن .. معني : —
.. ( لماذا الوطن غالي ، رغم أنا قد نعاني ) ..
… ولقد حزن رسولنا الكريم ( صلى الله عليه وسلم ) لرحيلة عن مكة أحب بقاع الأرض الي قلبه ، عندما هاجر من أذي الكفار الي المدينة .. نعم لقد بكي هذا القلب الرحيم — قلب رسول الله — ضاربا لنا أروع الأمثلة على الإنتماء ، وحب الوطن ، والجهاد …
… ولقد ذكرني الحديث هنآ .. عن رواية قرأتها لكاتب برازيلي : تحكي عن طفل صغير يعيش مع أسرته الفقيرة التي هدها الشقاء مع كثرة الأعباء .. فلم تكن تولي الطفولة البائسة حقها فى الرعاية والحنان .. وكان هذا الطفل شعلة من نشاط ، كثير الشقاوة ، إلا أنه لا يتذكر لأحد حنان سوي أمه وأحد إخوته .. وكان هذا الطفل رغم شقاوته يحمل قلباً رهيفا ، وخيالا واسعاً ، وعقلا ذكيا .. وكان يمتلك قدرة فائقة علي الحب العميق والتعلق بالأشياء التي يحبها .. ولقد أحب شجرة فى حديقة منزلهم حبا كبيراً .. إذ كان شغوفا بحبها ، يراها فى غدوه ، ورواحه ، ويجلس بجوارها ، متنعما بظلها وهوائها ، شاعرا بحنانها وصدقها ، إلي أن أتي يوم مشؤوم فى حياته وقطعت هذة الشجرة ، ولم يكن والده يعلم مدى تعلقه بها .. وبكي الطفل كثيراً ، ومرض طويلاً ، ورقد بالمستشفى .. فقد كانت هذه الشجرة تذكرة بحنان أمه التي توفيت .. ولقد كان قطع هذه الشجرة هو نقطة تحول فى حياة هذا الطفل بعد أن صار رجلا …
… نعم : إن خيال الكاتب هنآ يتطابق كثيراً مع الواقع .. ولقد لمسته بنفسي مع إختلاف التفاصيل .. وهو أننا نحن للأشياء كما نحن للإنسان ، ونفتقدها ، وكأنها تنبض بالحياة .. وكثيراً مآ يكون تعلقنا بهذه الأشياء إنبهارا بقدرة الخالق التي أتقن صنعها .. أو تعبيرا عن ذاتنا الشعرية المرهفة .. ولقد وجدت أن الإنتماء لهذه الأشياء كثيراً مآ يكون أقوي من الإنتماء لعالم البشر .. بل إن هذه الأشياء التي أحببناها أفضل من عالم البشر لانها لآ تغدر ولا تخون .. بل تعطينا كل شيءٌ ، ولآ تطالبنا بأي شيء …
… نعم : يمكننا — في بعض فترات حياتنا — أن نحب وحدتنا ، ونعشق عزلتنا عندما يتغير علينا الناس ، أو يقسو علينا البعض ، أو تضيق بنا الحياة … وكثيراً مآ يلعب الخيال هنآ دورا خصبا ، يرطب هجير أيامنا .. فيكون ملاذا وراحة لقلوبنا المتعبة .. إن الشجرة فى حياة الطفل المذكور لم تكن شيئا عاديا يمكن تجاوزه ، وإنما كانت تمثل له الحياة ، والحنان الجارف ، والصحبة الطيبة ، والذكريات الجميلة ، والظل الظليل ، والنسمة العليلة .. لقد كانت سلواه من وحشة الحياة ، وظروفة المعيشية ، والأسرية الصعبة …
… إن من اقتلع هذه الشجرة قد اقتلع معها قلب هذا الطفل الغض ، الرهيف .. وهو لآ يدرى .. لأنه لم يجرب هذا الإحساس الراقي لطفل حساس ، براق العاطفة .. طفل رومانسي تعلم جيداً كيف يحب الأشياء ويتشبث بحبها حتي النهاية ، ولآ ينساها حتي بعد رحيلها .. بل تعلم كيف يناغي ويحادث الجمال بلغة لآ يفهمها غيره من البشر …
… لقد كانت هذه الشجرة هي الحضن الدافيء ، والوسادة الناعمة التي يتكيء عليها برأسه كلما جارت عليه الحياة .. بل كانت النواة لحياته القادمة ، وكل دنياه بعد أن افتقد حنان البشر .. فكانت هى صوته الداخلي المعبر عن مكنون قلبه الجميل … وحين أتحدث — أنا أيضا — عن تلك الأشياء إنما أتحدث عنها بقلبي لآ بلساني .. أتحدث عنها حديث المحب الولهان لجميل خلق الله .. أتحدث عنها حديث العاشق الهائم فى عشق محبوبه …
… نعم :
—————-
… ( إحتفظوا دائماً بالذكريات الجميلة ، ولآ تنسوها .. حتي ولو غابت عنا تلك الأشياء ، أو توارت تلك الوجوه التي طالما أحببناها ، وسعدنا بقربها .. وتعايشوا معها تسعدون .. ودعوا القلوب تشعر بالجمال .. ولآ تجعلوا الحياة تسرق منا أعمارنا .. بل إسرقوا منها كل لحظة حلوة ، واحتفظوا بذكراها فى حبة القلب .. فقد تبحثون عنها ذات يوم تجدوها ) ….
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
* المقال موثق بكتابي الجديد : فى التأمل حياة
———————————- —————–




