سيناء

بقلم الدكتور القاسم محمد جعفر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد
إنَّ المتأملَ في كتابِ اللهِ تعالى يجدُ أنَّ سيناء لم تكن أرضًا عاديةً، بل كانت موضعَ عنايةٍ خاصةٍ من اللهِ،
وفي هذهِ الأرضِ المباركةِ، وقعتْ أحداثٌ عظيمةٌ من تاريخِ النبواتِ، فمرَّ بها خليلُ الرحمنِ إبراهيمُ عليهِ السلامُ، وسارَ عليها يوسفُ عليهِ السلامُ، وعاشَ فيها موسى عليهِ السلامُ، وشهدتْ دعوتهُ وجهادَهُ وصبرَهُ مع بني إسرائيل، فكانتْ أرضَ دعوةٍ وتوحيدٍ، وأرضَ ابتلاءٍ وتمحيصٍ.
فذكر الله عزّ وجل لسيناء في القرآن الكريم فيه تعظيم وتشريف لها وما يزيدها تشريفاً أكثر أن الله كلم سيدنا موسى عليه السلام على هذه الأرض عند جبل الطور
وأول حوار دار بين الله تعالى وسيدنا موسى عليه السلام قال تعالى (وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيما )
فسيناء هي الأرض التي اختصها الله بالذكر في كتابه، وهي البقعة التي شهدت تجلي نور الحق سبحانه، وقد ذكرَ أهلُ التفسيرِ أنَّ الطورَ هو الجبلُ الذي كلَّمَ اللهُ عليهِ سيدنا موسى عليهِ السلامُ، وهو من أعظمِ الأماكنِ قداسةً، حيثُ تجلَّى فيهِ نورُ الوحيِ قال تعالى لسيدنا موسى ( إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)
فحبنا لهذه الأرض هو من تعظيم ما عظم الله، وفرحنا باستردادها هو فرحٌ بنعمة الله التي تستوجب الشكر
وأقسم الله تعالى بها في القرآن الكريم ، والله تعالى لا يقسم إلا بعظيم فهذه الأماكن لها مكانة عظيمة عند الله تعالى ، قالَ تعالى (وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ)
وقالَ سبحانهُ وتعالي {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) فقرنَ طورَ سيناء بأعظمِ المواضعِ شرفًا، مما يدلُّ على علوِّ مكانتِها وعظيمِ قدرِها.
وهي الأرض التي شهدت أولَ حوار وقع بين موسى(عليه السلام) وبين ربه (عز وجل)، بعد أن عرف بنبوته ، وهو حوار للإيناس والتهيئة قال تعالى : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ………الآيات )
فسيناء هي الأرض التي انفرد جَبَلُها (جبل الطور) من بين جبال الأرض بأنه مبارك مشهور معروف
فهو الجبل الذي شهد ظاهرةً فريدةً لم تجرِ أحداثُها فوق أي أرض إلا على أرضٍ مصر في جبل الطور ، حيث تجلى الله تعالى للجبل فجعله دكّا وخرّ سيدنا موسى عليه السلام صعقًا ، قال تعالى ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)
فسيناء أرض الخير والنماء وقد أشارَ القرآنُ الكريمُ إلى ما في هذهِ الأرضِ من الخيراتِ، فقالَ تعالى (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ)
فذكرَ سبحانهُ شجرةَ الزيتونِ التي تنبتُ في أرضِ سيناء، وجعلَها آيةً من آياتِ البركةِ والخيرِ، لما فيها من النفعِ والغذاءِ والدواء وبين ذلكم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال (كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) رواه الترمذي
فدلَّ ذلكَ على أنَّ ما يخرجُ من هذهِ الأرضِ ليسَ كغيرِهِ بل هو مقرونٌ بالبركةِ والنفع .
وسيناء أرض التضحية والفداء. دارت على أرض سيناء في العاشر من رمضان السادس من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين معركة التحرير الفاصلة التي استطاع المصريون من خلالها تحطيم أساطير اليهود التي زعموا فيها أنهم الجيش الذي لا يُغلَب وأن حصونهم لا تهدم.
وفي ساعات قليلة، عبرت القوات المصرية قناة السويس وحطمت حصون خط بارليف وهم يرددون صيحات التكبير التي زلزلت العدو ففر أمام قوة الإيمان
ولقد قدم المصريون في هذه المعركة أمثلة رائعة في البطولة والفداء على أرض سيناء فوجب على كل مصري أن يفخر بهذه البقعة من وطنه، وأن يحافظ على هذه الأرض بكل ما يستطيع من قوة ، نسأل الله أن يحفظ مصر وشعبها وجيشها اللهم آمين وصلي الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين




