حين تؤرخ الذاكرة بطريقتها الخاصة

كتبت: ساهرة رشيد/ العراق
ليست كل الأشياء التي تصلنا من الماضي متشابهة، فبعضها يسكن فينا دون استئذان، وبعضها نحرسه خوفا من الضياع. وبين هذا وذاك، يقف المورث والتراث شاهدين على رحلة الإنسان مع الذاكرة والزمن.
في زحمة التعاريف والمفاهيم، كثيرا ما يتداخل معنى المورث مع التراث، رغم أن لكل منهما طبيعته الخاصة. فالمورث هو ما ينتقل إلينا تلقائيا من الأجيال السابقة، ليس فقط في صفاتنا الجسدية، بل في عاداتنا اليومية، وطريقتنا في التفكير، وحتى في نبرة أصواتنا أحيانا.
إنه ذلك الامتداد الخفي الذي نحمله دون أن نشعر، ويظهر في تفاصيلنا الصغيرة قبل الكبيرة.
أما التراث، فهو ما نحتفظ به ونحافظ عليه عن وعي، لأنه يمثل ذاكرتنا الجمعية، سواء كان في شكل مباني قديمة، أو أغاني شعبية، أو عادات اجتماعية، أو حكايات وقصص تروى. وهنا تحديدا، يتجلى التراث الحكائي بوصفه أحد أكثر أشكال التراث حيوية وصدقا، لأنه لا يكتب في الكتب، بل يحفظ في العقول والقلوب وينتقل عبر الألسن.
فالتراث الحكي ليس مجرد قصص تروى للتسلية، بل هو ذاكرة حية تحمل داخلها تاريخ الناس كما عاشوه، لا كما دون في الوثائق. ومن خلاله، نكتشف ملامح تاريخ وتفاصيل مرت عبر الزمن، ونجد أن البيوت العراقية كانت تمتلك أرشيفها الخاص، لكن هذا الأرشيف لم يكن محفوظا في أوراق، بل في ذاكرة الجدات والأجداد.
لم تكن جدتي تحفظ التواريخ كما في الكتب، ولم تكن بحاجة إلى أرقام دقيقة لتؤرخ حياتها، بل كانت تمتلك طريقة أخرى أكثر إنسانية، إذ كانت تربط الزمن بالأحداث. فحين كانت تستعيد الماضي، كانت تقول:
“جدك فلان ولد في (دگت رشيد عالي الگيلاني بأسبوع)
بمعني في انقلاب رشيد عالي الگيلاني
، أو تقول: “هذا صار سنة الفيضان”، وتقصد بذلك ان فلان ولد عام فيضان بغداد سنة 1954. وكأن الفيضان لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة زمنية قسمت الحياة إلى ما قبلها وما بعدها، فتحول الحدث إلى مرجع زمني حي.
وعلى هذا النحو، لم تكن الحكايات العائلية منفصلة عن العالم، بل كانت تتداخل مع الأحداث الكبرى، فتقول: “وُلد فلان أيام النكبة”، أو تستعيد حكاية أخرى بقولها: “كان ذلك بعد حرب حزيران”، فتربط بين التجربة الفردية والتحولات التي مر بها المجتمع. وبهذه الطريقة، لم تكن الحكاية مجرد سرد، بل وسيلة شعبية دقيقة لتحديد الزمن دون الحاجة إلى تقويم.
ولذلك، ما كانت الجدات مؤرخات بالمعنى الأكاديمي، لكنهن كن يحفظن أثر الحدث في الإنسان، وهو ما يجعل رواياتهن أكثر قربا وصدقا. فالتاريخ في كتبنا قد يخبرنا بما حدث، أما التراث الحكائي فيخبرنا كيف شعر الناس تجاه ما حدث.
ولم تقف هذه الذاكرة عند حدود الحكاية، بل اتسعت لتضم الأغاني التي كانت تردد في البيوت والمناسبات، إذ كانت الجدات ينقلن الأغاني شفهيا، فتغنى في الأفراح، وتستعاد في لحظات الحنين، وتهمس في أوقات الحزن. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الأغاني مجرد كلمات، بل أصبحت جزءا من الذاكرة، مرتبطة بأشخاص ومواقف وأزمنة لا يمكن فصلها عنها.
كما كانت المناسبات الاجتماعية، كرمضان والأعراس والتجمعات العائلية، فضاء حيا لازدهار هذا التراث، حيث تتناقل الحكايات، وتستعاد الذكريات، وتمرر القيم بطريقة بسيطة لكنها عميقة التأثير. وهنا، لم يكن الهدف مجرد التسلية، بل كان هناك نقل غير مباشر للخبرة، وتعزيز للانتماء، وربط الأجيال الجديدة بجذورها.
وبناء على ذلك، يمكن القول إن التراث الحكائي يقع في منطقة وسطى بين المورث والتراث، فهو من جهة ينتقل تلقائيا كجزء من المورث الثقافي داخل العائلة، ومن جهة أخرى يعد تراثا غير مادي يحتاج إلى وعي للحفاظ عليه، لأنه عرضة للنسيان مع تغير أنماط الحياة.
وفي ضوء ذلك، يغدو التراث الحكائي أبعد من كونه ماضيا يروى، بل هو أسلوب في فهم الزمن والإنسان، إذ يجعلنا نربط حياتنا بما يحدث حولنا، ونفسر الأحداث من خلال أثرها فينا، ونحتفظ بما نشعر به قبل أن نحفظه كتواريخ.
إنه ذلك الصوت الذي يبدأ دائما بعبارة بسيطة:
“أتذكر…”
لكنه في الحقيقة لا يستعيد لحظة عابرة، بل يفتح بابا كاملا على زمن عاش في الذاكرة… وما زال.




