مقالات
أخر الأخبار

لا ترسم أحدًا بلون الخلود

بقلم مستشار محمود السنكري

لا ترسم أحدًا بلون الخلود فلا أحد يبقى كما رأيته أول مرة ولا روح تظل على هيئة واحدة مهما ادّعت الثبات.

نحن نخطئ حين نمنح الأشخاص ملامح نهائية وكأنهم لوحات معلّقة خارج الزمن، لا تمسّها الفصول ولا تغيّرها العواصف، ولا تُرهقها المسافات.

الإنسان كائن فصليّ بامتياز له ربيع يُقبل فيه على العالم بقلبٍ طريّ وصيف يفيض فيه حضورًا وثقة وخريف تتساقط فيه القناعات ورقةً ورقة وشتاء ينسحب فيه إلى داخله صامتًا قاسي الملامح أحيانًا لكنه أكثر صدقًا مع ذاته.

النفوس لا تتبدل فجأة بل تتآكل ببطءٍ لا يُرى كالصخر الذي نظنه صلدًا بينما الماء في صبره يترك أثره العميق دون ضجيج.

كثيرون لا يخونون قيمهم بل يتعبون من الدفاع عنها وحدهم ولا ينقلبون على وعودهم بل ينهكون من حملها في قلوب لا تجد من يشاركها العبء.

نحن لا نحب الأشخاص كما هم بل كما نحتاجهم أن يكونوا.

نُقدّس نسخة أولى منهم ثم نصدم حين تستبدل الطبعة دون استئذان.

ننسى أن الإنسان لا يعيش ليحفظ صورتنا عنه بل ليحاول النجاة بنفسه حتى لو تغيّر شكله في أعيننا.

الخذلان في جوهره ليس سقوط الآخر بل سقوط توقعاتنا الثقيلة عليه ، نحمّل البشر أكثر مما تحتمل نفوسهم ثم نغضب حين ينكسرون تحت الوزن ونصف انكسارهم بالخيانة ونسمي عجزهم جحودًا.

في داخل كل نفس طبقات لا نراها..طفلٌ خائف يختبئ خلف قسوةٍ متعمدة وحكيمٌ صامت يتوارى خلف طيشٍ عابر وإنسانٌ مرهق يتظاهر بالبرود كي لا يُفتضح تعبه.

لسنا كما نبدو بل كما نتدبّر آلامنا في الخفاء.

التغيّر لا يعني دائمًا انحدارًا، أحيانًا هو محاولة أخيرة للتماسك، إعادة ترتيب للفوضى الداخلية أو صرخة صامتة تقول: لم أعد أحتمل أن أكون كما كنت.

ومن يطلب من إنسان أن يبقى نسخة قديمة كمن يطالبه أن يسكن بيتًا احترق نصفه لمجرد أن الذكريات كانت دافئة فيه يومًا.

نحن أبناء التراكمات لا أبناء اللحظات، كلمة لم تُقل في وقتها، خذلان صُغّر بحجة التجاهل، ألم أُجّل حتى ظننا أنه نُسي ،حتى إذا اكتمل الحمل تغيّر الاتجاه فجأة لا هروبًا… بل بحثًا عن هواء.

لذلك، لا تُخاصم تغيّر من أحببت، بل اسأل: ما الذي أرهقه حتى صار هكذا؟ وإن لم تجد إجابة فالصمت أعدل من الاتهام والتفهم أرقى من العتاب.

لا ترسم أحدًا بلون الخلود فالخلود فكرة بشرية أما الإنسان فإبن اللحظة تصنعه الخسارات أكثر مما تصنعه النوايا وتعيد تشكيله الجراح أكثر مما تفعل الوعود.

الثبات ليس فضيلة إن كان كذبًا والتغيّر ليس خيانة إن كان نجاة.

وحدهم الذين يقبلون الإنسان كرحلة لا كمحطة نهائية ينجون من قسوة الصدمة ومن وهم الخلود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى