منوعات
أخر الأخبار

أجنحة الروح وأغلال الجسد

أجنحة الروح وأغلال الجسد

بقلم: مستشار محمود السنكري

 

الروح حين تنبثق من عمق الإنسان تشبه طائراً يحاول التحليق في فضاء لا نهاية له، تبحث عن أفق يتسع لحريتها، عن فضاء لا يقيّد بقيود ولا يحد بجدران.

إنها الأجنحة الخفية التي لا تراها العين، ولكنها تسكن في كل خفقة قلب وفي كل نبضة شوق إلى معنى أسمى من حدود التراب.

 

إلا أنّ هذا الكائن العجيب الإنسان قد وُهب جسداً له وزنه وثقله جسداً يذكّره في كل لحظة بأنه ابن الأرض مهما حاول أن يرتقي نحو السماء.

فالجسد هو القيد الذي يمسك بجناحي الروح يشدّها إلى الأسفل ويذكّرها بما في الحياة من ألم وجوع وتعب وعجز.

وهنا يولد الصراع: صراع بين أجنحة الروح التي تهفو إلى المطلق وأغلال الجسد التي تجرّها نحو المحدود.

 

كم من مرة شعرت أنك تسكن جسداً أضيق من أحلامك؟ أن قلبك يتسع لعوالم لا يحويها مكان بينما خطواتك تكبلها قيود الجسد المثقل بضعفه ووهنه؟

كأن روحك تقول: دعني أطير فيما جسدك يهمس: ابقَ هنا فهنا ثقلك ومصيرك.

 

ومع ذلك فإن سرّ الإنسان الأعظم يكمن في هذه الثنائية العجيبة فلو تُركت الروح وحيدة لتحلّق دون جسد لربما ذابت في فضاء لا معالم له وانتهت إلى فناء بلا أثر،

ولو كان الجسد وحده بلا روح لظل كتلة صمّاء لا معنى فيها ولا حياة. إنهما الروح والجسد خصمان في الظاهر لكنهما في الحقيقة جناحان متعاكسان ينسجان من شدّهما وتوترهما لحناً وجودياً يصوغ معنى الحياة.

 

قد نخطئ حين نتصور أن أغلال الجسد لعنة، فهي وإن كبّلت إلا أنها تمنح الروح معنى التحدي وتحوّل التحليق من وهم عابر إلى تجربة لها مذاق.

كما أن الروح حين ترفرف داخل حدود الجسد تُحوّل الألم إلى أغنية والضعف إلى درس والزمن إلى رحلة لا مجرد عبور.

 

فالإنسان كائن يتأرجح بين هذين القطبين: جناحان يريدان الصعود وأغلال تذكّره بحدوده ومن هذا التأرجح يولد الشعر ويولد الإبداع ويولد السعي الأبدي نحو ما لا يُنال.

 

وحين يأتي يوم الرحيل ينكسر القيد وتتحرر الروح فتغدو الأجنحة وحدها سيدة الموقف، تترك ثِقل التراب خلفها وتمضي حيث لا زمن ولا ألم ، عندها فقط تعرف أن كل ما قاسته في سجنه الأرضي لم يكن سوى تهيئة للتحليق العظيم.

 

فاللهم اجعل أرواحنا أجنحة بيضاء تحلّق بك نحو النور وتترك وراءها أغلال الجسد غباراً يُذرى مع الريح.

 

“الروح جناحها في السماء والجسد قيدها في التراب وبينهما يولد معنى الإنسان.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى