مقالات

لماذا تعقّد الزواج؟

 

بقلم د. سامح فرج حموده ـ باحث في قضايا الإعلام والمجتمع.

لم يكن الزواج يومًا معضلة اجتماعية، ولا عبئًا اقتصاديًا، ولا مناسبة استعراضية تُعرض فيها الإمكانيات والمظاهر والشكليات، بل كان في أصله سُنّة كريمة، وطريقًا للعفة، وسكنًا ورحمة. لكننا، بفعل الزمن والمفاهيم المغلوطة، حوّلنا هذه السُنّة إلى حلم مُكلف، ومرهق، وصعب المنال.

يقول أحد المختصين في علم الاجتماع: “تحوّل الزواج من مشروع إنساني بسيط إلى مشروع استثماري، فيه من التكاليف والشروط ما يعجز عنه أغلب الشباب”.
وهذا الرأي لم يعد نظريًا، بل صار واقعًا تُظهره الإحصائيات والمشاهد اليومية في البيوت المصرية.

فما بين شاب لا يملك ما يؤهله لخوض التجربة، وفتاة تنتظر شريكًا يطابق الشروط التي وُضعت لها دون إرادتها، تقف مؤسسة الزواج على حافة التراجع، ويزداد عدد من يعجزون عن دخولها، أو يستسلمون للواقع دون قناعة أو استقرار.

من يراجع سُنة النبي ﷺ يجد أن أبسط صور الزواج هي التي بُورك فيها، وأعظم البيوت كانت تلك التي بدأت بكلمة طيبة، ومهر متواضع، ونية خالصة. فلماذا نُصرّ اليوم على قلب المعادلة؟

بعض الأسر تعتقد أن الوجاهة الاجتماعية تكمن في قيمة الشبكة، وعدد قطع الأثاث، ونوع الأجهزة، ومكان القاعة، وعدد المدعوين، وموديل الفستان. وتُقارن كل فتاة بغيرها، ويُحاسب كل شاب على دخله، ومظهره، وسُمعته المالية لا الخُلقية.

ويرى أحد أساتذة الشريعة أن ما يحدث اليوم من مغالاة في المهور والتجهيزات يخالف هدي الإسلام الواضح، الذي دعا إلى التيسير في الزواج، وربط الكفاءة بالدين والخلق، لا بالدخل والمنصب.

الأخطر من ذلك أن بعض الأهالي لم يعودوا يرون في تأخّر زواج بناتهم أو عزوف الشباب عن التقدّم إليهن مشكلةً تستحق التوقف. أصبح من الطبيعي أن تُرفض الزيجات بناء على عدم امتلاك سيارة، أو شقة مُشطبة، أو وظيفة مرموقة. وكأن الأمان الحقيقي بات في المال، لا في الخُلق.

والنتيجة؟ ارتفاع سن الزواج، انتشار العلاقات غير الرسمية، زيادة الضغوط النفسية على الشباب، وتفكك المفاهيم الأخلاقية. كلها مظاهر يدفع المجتمع ثمنها، دون أن يعترف بأنه المتسبب الأول في الأزمة.

ليس المطلوب أن نلغي مظاهر الفرح، ولا أن نُجبر أحدًا على القبول بما لا يرضيه، لكن المطلوب أن نُعيد ترتيب الأولويات. أن نفهم أن “القيمة” ليست في الذهب والديكور، بل في العقل والتفاهم. أن نُصدق أن البيت يُبنى بالحب والمودة، لا بالأثاث والماركات.

إن أول خطوة لحل هذه الأزمة أن نتحرر من سلطة “كلام الناس”، وأن نعيد الاعتبار إلى حديث النبي ﷺ: “إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه”، فهو ليس مجرد حديث يُقال، بل توجيه نبوي يُنقذ مجتمعًا بأكمله من الغرق في المظاهر.

حين نُيسّر الزواج، نفتح بابًا للطهارة، ونغلق ألف باب للانحراف. وحين نُشجع البساطة، نُعيد للبيوت استقرارها. فهل نملك الشجاعة لنُراجع أنفسنا؟ وهل نستطيع أن نختار لبيوتنا البركة، بدلًا من التكلّف؟
السؤال مطروح، والإجابة بيد كل وليّ أمر، وكل فتاة، وكل شاب، قرر أن يبدأ حياته بما يرضي الله، لا بما يرضي الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى