مقالات

“جيل التيك توك: أحلام الإسفلت وضياع المستقبل!”

✍️ بقلم: د. سامح فرج حموده

بين الأزقة الضيقة والملاعب العشوائية، وعلى الأرصفة التي تحولت إلى منصات للبطولة الوهمية، يجلس آلاف الشباب غارقين في عوالمهم الخاصة، حيث الألعاب الإلكترونية والتحديات التافهة، وأحلام الثراء السريع الذي يأتي من ضربة حظ، لا من جهد أو علم.

هذا المشهد ليس خياليًا، بل هو واقع تعيشه مصر اليوم، حيث نجد أنماطًا جديدة من التفكير تغزو عقول الشباب، متمثلة في فكرة “المستقبل رزق”، ولكن دون أي سعي أو اجتهاد. بالأمس القريب كان الطلاب يتسابقون نحو الكتب، أما اليوم، فقد أصبح التيك توك والبابجي والألعاب الإلكترونية هي المعلم الأول، وصار الإيمان بالسعي والعمل شيئًا من الماضي.

“ليه أذاكر؟ ممكن ألاقي تمثال!”

حوار بسيط دار بيني وبين أحد هؤلاء الشباب، كان يلعب كرة القدم على الإسفلت حتى ساعات الفجر، وعندما نصحته بالمذاكرة، رد عليّ بعبارة صادمة:

“يا دكتور، المستقبل بيد الله، ممكن واحد فاشل يلاقي حتة آثار ويبقى ملياردير، وواحد طلعان روحه من المذاكرة يدوب بياكل ويشرب!”

توقفت أمام كلماته، فهي تلخص عقلية منتشرة بين عدد كبير من شباب اليوم، الذين يرون أن الاجتهاد لم يعد شرطًا لتحقيق النجاح، بل إن الأمر بات متعلقًا بضربة حظ، أو شهرة عابرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

جيل المليونيرات الوهميين!

هذا التفكير ليس نابعًا من فراغ، بل هو نتيجة حتمية لما يشاهده الشباب يوميًا، حيث أصبح المؤثرون وأصحاب التريندات المدفوعة نجوم العصر، بينما يقف أصحاب الشهادات الجامعية في طوابير البطالة. تجد شابًا لم يكمل تعليمه لكنه يمتلك ملايين المتابعين على يوتيوب أو تيك توك، ويكسب أضعاف ما يجنيه طبيب أو مهندس عمل لسنوات في مجاله.

ماذا حدث لأحلام الشباب؟

قديماً، كان حلم الشباب أن يصبح طبيبًا، مهندسًا، أو حتى كاتبًا مؤثرًا، أما اليوم، فأحلامهم تحولت إلى أن يصبحوا مشهورين، “يوتيوبر”، أو حتى لاعب ألعاب إلكترونية محترف، أو مؤثرًا على السوشيال ميديا.

وفي ظل هذا الواقع، نجد أنفسنا أمام تساؤلات خطيرة:

هل تغيرت معايير النجاح في المجتمع؟

هل أصبحت الشهرة بديلاً عن العلم والعمل الجاد؟

كيف نعيد بناء عقلية الشباب ليؤمنوا بأن الاجتهاد هو السبيل الحقيقي للنجاح؟

الحل يبدأ من هنا!

إن الحل ليس مجرد وعظ ونصائح جوفاء، بل يتطلب إعادة صياغة مفهوم النجاح عند الشباب، وتحقيق التوازن بين مواكبة العصر والتكنولوجيا وبين ترسيخ قيم الاجتهاد والجدية. علينا أن نعيد صياغة الإعلام ليبرز النماذج الناجحة الحقيقية، وليس فقط مشاهير التريندات الفارغة.

إن مسؤولية الدولة، والإعلام، والأسرة، والمدرسة، بل والمجتمع بأسره، أن يعيد للشباب إيمانهم بأن العمل والاجتهاد هما مفتاح المستقبل، وليس انتظار حظ قد لا يأتي أبدًا!

ويبقى السؤال الأهم: هل ما زال لدينا فرصة لإنقاذ هذا الجيل؟ أم أن القطار قد فات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى