مقالات
أخر الأخبار

من دراما الحياة

* من دراما الحياة :

————————-

بقلم الكاتب : عبدالعزيز الطباخ

—————- ———————

… منذ أيام التقيت فى إحدى سفرياتى بأحد أصدقائى القدامى ، والذى لم أراه منذ سنين طويلة .. بحكم مشاغل الحياة وهمومها ، وغربتنا فيها .. لم يصدق نفسه .. تبادلنا الترحيب والأحضان .. فكنت كمن يحتضن في صديقي نفسي القديمة .. واسترجعت فى لحظة عشرة السنين والأيام السعيدة .. شعرت بدفء الذكريات وحنينها .. جلسنا فى إحدى الاستراحات .. .. وكان هذا الصديق دائما مرحا .. رقيقا .. بشوشا .. عذب الروح .. وكان قريبا من نفسي .. فكنت أحبه وأغمره بعطفى وحنانى .. فقد كان وجههه الجميل وقسماته الرقيقة أرق من نضارة الربيع ، وأندى من ثغر الندى .. عندما يتحدث كأنه طائر يغرد فى صفو السماء يسعدنا دائما بضحكاته وقفشاته .. ..

 

… الآن .. هالنى ما رأيت .. رأيت شبح إنسان .. لقد نالت منه السنين والأيام .. .. سألته عن أحواله التى أكاد أقرأ سطورها فى تقاسيم وجههه الحزين .. فنظر إلى مطرقا رأسه .. وقال بصوت متهدج .. متقطع .. خافت .. مؤلم .. الحمدلله على اى حال .. اختنقت كلماته .. هالنى بكائه .. آلمتني دموعه .. لقد أصابته الحياة في مقتل .. انتظرت حتى ينتهى من حديثه .. .. وحاولت تهدئته ومواساته .. .. قلت له .. هون عليك فنحن لا نختار أقدارنا .. كتب علينا أن نواجه الحياة ونعيشها بحلوها ومرها .. بحزنها وفرحها .. حتى تعزف لنا أنغام الرحيل لحن الوداع .. وحتى تغرب شمس الحياة .. فلكل شيء فى الحياة حكمة لا يعلمها إلا الله .. ولن نتساوى جميعا فى الثواب والعقاب .. ..

 

… هكذا هى الحياة ياصديقي .. كلما مرت بنا سنين العمر .. سنكتشف أنه لم يعد يشجينا صوت الحياة .. ولم تعد تؤثرنا مباهجها .. ولم تعد تغرينا طموحاتها .. ولم يعد يشغلنا ضجيجها .. بعد أن جف رنين الحياة .. وخبى بريقها .. وانطفات أضواؤها .. وذابت شموعها ..

وليس كالايمان بالله والتسليم باقداره وحكمته من معين لنا على الاستمرار فيها والصبر على مصابها .. لكى نجتاز أوقات الأسي والشجن .. فى انتظار ما تخبؤه لنا الأقدار فيما وراء الحياة .. لكى ننال جزاء الصابرين .. وهو خير جزاء للإنسان .. لو يعلم .. ثم ودعت صديقى. . وبكيت .. لأنى لآ أدرى هل ستعادنا الرؤيا .. أم أنه اللقاء الأخير .. لقاء الوداع …

 

… لقد أدركت — حيئنذ — أن أصعب شيء فى الحياة .. عندما نرى وجوه من احببناهم بكل جوارحنا وقد تغيرت أحوالهم .. وتبدلت للأسوأ .. عندما نرى دموعهم تسيل على مآ قيهم .. بعد أن سعدنا بحبهم لنا .. بقربهم منا .. سعدنا بابتساماتهم العذبه .. وضحكاتهم البريئة .. بعد أن حل الحزن والأسي محل البهجة والفرح .. والكهولة والعجز مكان الشباب والقوة .. نتألم حينما نجدهم على غير ما عهدناهم .. تسيطر على وجوهم الحيرة والأسي .. وتتوقف على شفاههم بقايا إبتسامة شاحبة .. هنا .. تبكى قلوبنا .. لأننا لم نتمكن من فعل شيء من أجلهم .. لأننا عجزنا أن نكون بجوارهم في حزنهم .. ولأننا عجزنا عن البكاء من أجلهم .. ولأننا لم نستطع فعل شيء لهم ..أى شيءٌ ..

 

————————————————-

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى