أخبار

هل تُستهدف الحضارات؟ قراءة في خطاب النهاية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

بقلم/ حسناء بهاء رشاد
الخطاب المتداول المنسوبة إلى Donald Trump يحمل خطابًا شديد الحدة، يوحي بفكرة “انتهاء حضارة” وبدء أخرى، وهي صياغة ليست مجرد رأي سياسي عابر، بل تعكس نمطًا من السرديات التي تتكرر في التعامل مع منطقة الشرق الأوسط عمومًا، ومع إيران بوصفها امتدادًا تاريخيًا للحضارة الفارسية على وجه الخصوص.
في قراءة أعمق، يمكن فهم هذا الخطاب ضمن إطار أوسع يتجاوز شخص أو تصريح بعينه، ليمس تصورًا متكررًا يرى أن حضارات الشرق الأوسط – من الحضارة الفارسية إلى حضارات وادي النيل وبلاد الرافدين – ظلت عبر التاريخ أهدافًا لصراعات القوى الكبرى، سواء عبر الغزو العسكري قديمًا أو عبر الضغوط السياسية والاقتصادية حديثًا.
الحضارة الفارسية تحديدًا ليست مجرد كيان سياسي معاصر، بل إرث ممتد لآلاف السنين، من الإمبراطوريات الأخمينية والساسانية إلى الدولة الإيرانية الحديثة. هذا الامتداد يمنحها ثقلًا رمزيًا يجعل أي خطاب يتحدث عن “انتهائها” يبدو وكأنه يتجاوز الواقع السياسي إلى محاولة إعادة تشكيل الوعي التاريخي ذاته. فالحضارات لا تُمحى بقرار سياسي أو صراع آني، بل تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة عبر الثقافة واللغة والهوية.
ومن هنا، فإن تصوير الشرق الأوسط كـ“هدف للتدمير” ليس جديدًا، بل هو انعكاس لتاريخ طويل من التنافس الدولي على موقعه الجغرافي وثرواته وعمقه الحضاري. لكن ما يلفت الانتباه اليوم هو انتقال هذا الخطاب إلى مستوى أكثر مباشرة وعلنية، حيث تُطرح أفكار التغيير الجذري أو “إعادة تشكيل الأنظمة” بلغة تحمل أحيانًا طابعًا قدريًا أو حتميًا.
في المقابل، تُظهر تجارب المنطقة أن محاولات تفكيك الدول أو الضغط على هوياتها الحضارية غالبًا ما تؤدي إلى نتائج معقدة وغير متوقعة، بل قد تعزز التمسك بالهوية بدلًا من إضعافها. فالحضارات، خاصة في الشرق الأوسط، أثبتت تاريخيًا قدرتها على الصمود والتكيف، حتى في ظل أقسى الظروف.
الخلاصة أن بدلًا من التسليم بفكرة “نهاية الحضارات”، ربما يكون الأجدر فهم كيف تُستخدم هذه السرديات سياسيًا، ولماذا تُستهدف رموز حضارية بعينها في لحظات التوتر الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى