لماذا يُبتلى المظلوم؟ وأين نصر الله؟

بقلم الدكتور سامح فرج حموده – باحث في قضايا الإعلام والمجتمع
“إذا كان الله حقًا يرى ويسمع، فلماذا لا ينصر المظلومين؟”
سؤالٌ يتسلل إلى النفس من الشيطان، في لحظات الضعف، حين تمتد أيدي الطغاة لتغتال البراءة، وتستباح دماء الأبرياء في أرض غزة الطاهرة.
لكن الحقيقة أن الله يرى ويسمع، لا بحسابات البشر، بل بالمعنى المطلق، المطهر من قيود الزمان والمكان، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134].
ولأننا لا نملك من أعمارنا شيئًا، ولا نزيد فيها يومًا، وكل موتٍ مقدّرٌ بأمر الله، فإن ما نراه من الظلم ليس خارج دائرة علمه ولا قدره، بل هو ابتلاء، وتمحيص، وحكمة.
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]
فكل دمٍ يُراق، وكل بيتٍ يُهدم، وكل طفلٍ يُيَتَّم، هو في ميزان الله أجرٌ ورفعة واصطفاء.
لماذا يُبتلى هؤلاء؟
1. تطهير ورفع درجات:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذى، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه” [متفق عليه].
فكيف بأهل غزة؟! ألم ترَ إلى وجوههم الطاهرة وهم يستقبلون الموت بعيون اليقين؟
2. لإقامة الحجة على الظالمين والساكتين:
الله يُري الناس الحق عيانًا، ليظهر صفات من قال عنهم:
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112]
يهود اليوم تجسيدٌ حيٌّ لمعاني الكِبر، والقسوة، والفساد، والقتل، والبغي، والجبروت، كما وصفهم الله في كتابه.
3. ولنُختبر نحن:
هل ننتصر لإخواننا بالدعاء والعمل والجهاد بالنفس والمال؟
هل نوقن أن النصر من عند الله، {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ} [آل عمران: 126]؟
هل نُراجع أنفسنا؟ نُقلع عن ذنوبنا؟ نُطهّر قلوبنا؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“من لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم” [رواه الطبراني].
فأين نحن من همّ غزة؟
هل اكتفينا بالبكاء؟ أم حولنا دموعنا إلى سعي؟
الجهاد الآن ليس فقط بالبندقية… بل بالقلب، واللسان، والعقل، والعمل:
جاهد نفسك.. وارجع إلى صلاتك
تعلّم دينك.. وافهم سنة نبيك
علّم أبناءك حب القرآن، وكره الظلم
احرص على عملٍ يرضي الله
واعبد الله عبادة اليقين، لا عبادة الطمع في رزق الدنيا
إن الله لا يظلم أحدًا، ولكن الناس يظلمون أنفسهم.
وما نراه اليوم هو طريقٌ واضح نحو قيام الساعة، فكل ما يحدث جزء من سيناريو القدر المرسوم:
{وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129].
فهل لنا من توبة قبل فوات الأوان؟
هل نُخلِص النية لله، ونكف عن المجاهرة بالمعاصي؟
هل نترك الحرام ونقر بذنوبنا ونبدأ الطريق من جديد؟
افعل شيئًا لغزة، وإن كان في قلبك، فرب دعوة مخلصة تنصر بها أمة
قال صلى الله عليه وسلم: “الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض” [رواه الحاكم].
اللهم إنّا نسألك نصرك للمظلومين، وثباتًا للمؤمنين، وهدايةً للغافلين، وقبولًا لتوبة التائبين، ورفعةً للشهداء في جناتك يا أرحم الراحمين.




