
من صفات عباد الرحمن ( التواضع )
بقلم / القاسم محمد جعفر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي المبعوث رحمة للعالمين وبعد
قال تعالى ( وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا )
هذه هي الصفة الأولى من صفات عباد الرحمن من خلال سورة الفرقان وهذا وصف سيرتهم بالنهار
والمراد يمشون في تُؤدةٍ وسكينةٍ ووقارٍ وحسن سَمْتٍ لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشَرًا وبَطرًا
ورُوي نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والفضيل بن عياض وغيرهم عن الإمام أبي عبد الله رضي الله عنه
أنَّ الهون مشي الرجل بسجيتهِ التي جُبِلَ عليها لا يتكلَّفُ ولا يتبخترُ لأجلِ الخُيلاء كما قال تعالى (وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا )
وكما قال تعالى( وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ )
إنَّ الإيمان إذا استقرَّ في القلب نتج عنه سلوك حسن وهيئة صالحة تُذكر الناس بالله تعالى في وقارهم وسكينتهم وليس المراد هنا أنْ يمشي المؤمنُ ذليلًا متمسكنًا ضعيفًا متمارضًا
فالقرآن الكريم حَثَّ على العِزة والكرامة قال تعالى( وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَم ) وقال تعالى( وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ )
ورُوي عن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه أنَّهُ رأى شابًا يمشي رُويدًا فقال: ما لَكَ أأنتَ مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين فعلاهُ بالدِرة وأمرَهُ أنْ يمشي بقوةٍ
إنَّ مِشية المسلم فيها السكينة والوقار وهي بعيدة عن الذِلة والمسكنة وبعيدة أيضًا عن التكبر والتبختر .
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم منها فصلُّوا وما فاتكم فأتموا )
فالسير إلى الصلاة ينبغي أنْ يكون سيرًا عاديًا يلتزم صاحبه الوقار والهدوء ولا يركض ولا يُسرعُ إسراعًا قريبًا من الجري
فقد رُوي أنَّ عمر رضي الله عنه أنه رأى غلامًا يتبخترُ في مِشيتِهِ فقال: إنَّ البخترةَ مِشيةٌ تُكرهُ إلا في سبيل الله وقد مدحَ اللهُ أقوامًا فقال( وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا )
فاقصد في مِشيتكَ .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما هم المؤمنون الذين يَمْشُونَ عُلَمَاءَ حُلَمَاءَ ذوي وقار وعفةٍ .
وفي الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال( أيها الناسُ عليكم بالسكينة فإنَّ البِرَّ ليسَ في الإيضاع أي (السير السريع)
وفي صفته صلى الله عليه وسلم أنَّهُ كان إذا زَالَ زَالَ تقلعًا ويخطو تكفؤًا ويمشي هونًا سرِيعُ المِشيةِ إذا مَشَى كأنَّمَا ينحطُ من صَببٍ أي إنَّهُ كان يرفعُ رجله بسرعةٍ في مشيه ويمدُ خطوة خلاف مِشية المُختال وكل ذلك برفقٍ وتثبت دون عجلة
ومن ثَمَّ قيل: كأنَّمَا ينحطُ من صَببٍ قاله القاضي عياض في الشفا .
وخلاصة هذا إنهم لا يتكبرون ولا يتجبرون ولا يُريدون عُلوًا في الأرض ولا فسادًا.
ولقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على التواضع في أحاديثَ كثيرة منها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال مَا نقصتْ صدقة من مالٍ وَمَا زادَ اللهُ عبدًا بعفوٍ إلا عِزًا وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إلا رَفَعَهُ اللهُ .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا أعلمه إلا رفعه قال: يقول الله تبارك وتعالى( مَنْ تواضعَ لي هكذا وجعل يزيدُ باطن كَفَّهِ إلى الأرض وأدناها إلى الأرض رفعته هكذا وجعل باطن كَفِّهِ إلى السماء ورفعها نحو السماء.
وقيلَ: أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: إذا أنعمتُ عليكَ بنعمةٍ فاستقبلها بالاستكانة أتممها عليك .
وقال كعب: ما أنعم الله على عبدٍ من نعمةٍ في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه نفعها في الدنيا ورُفِعَ بها درجة في الآخرة وما أنعم اللهُ على عبدٍ من نعمةٍ في الدنيا فلم يشكرها ولم يتواضع بها لله إلا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقًا من النار يعذبه إنْ شاء الله أو يتجاوز عنه
والتخلق بخُلُق التواضع مظهر من مظاهر التخلق بالرحمة المناسب لعباد الرحمن لأنَّ الرحمة ضد الشدة فالهون يناسب ماهيتها وفيه سلامة من صدم المارين .
وعن زيد بن أسلم قال: كنتُ أسألُ عن تفسير قوله تعالى( ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا ) فما وجدتُ في ذلك شفاء فرأيتُ في المنام مَنْ جاءني فقال لي : هم الذين لا يُريدونَ أنْ يُفسدوا في الأرض.
فما أحوجنا أن نتخلق بهذا الخلق الجميل وبخاصة الشباب في عصرنا هذا يجب علينا أن نعود إلي الأخلاق الفاضلة ومنها التواضع وأعلم بأن من تواضع لله رفعه هذا وبالله التوفيق وإلي لقاء قادم ان شاء الله وصفة من صفات عباد الرحمن من خلال سورة الفرقان وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين




