مقالات
أخر الأخبار

مدرسة بلا لافتة

مدرسة بلا لافتة

بقلم دكتورة منى الرفاعى

في حياتنا نوع عجيب من البشر يصعب وصفه بسهولة. تقف أمامهم قليلًا فتحتار طيب أوصفكم بإيه. أقول إنكم بلا مبدأ أم أقول إنكم أصحاب مبدأ خاص لا نفهمه. مبدأ مرن يتمدد وينكمش حسب الموقف والظروف والاتجاه الذي تهب منه الرياح.

هؤلاء لا يعيشون بين الأبيض والأسود بل في منطقة مريحة اسمها المنتصف(الرمادى) لا معاهم ولا عليهم . معك حين تكون الجلسة عندك والابتسامة على وجهك والناس تنادي اسمك. ثم تراهم بعد قليل في الجهة الأخرى يتحدثون بنفس الحماس لكن بوجه مختلف وكأن الذاكرة عندهم تمسح نفسها تلقائيًا.

وإذا سألتهم عن موقف واضح يبتسمون في هدوء ويقولون نحن مع الجميع. عبارة تبدو نبيلة في ظاهرها لكنها في الحقيقة فن قديم اسمه الوقوف حيث توجد المصلحة. اليوم معك لأنك الأقرب وغدًا مع غيرك لأن المصلحه معاه وبعد الغد قد يعودون إليك لأن الظروف تغيرت.

العجيب أنهم يتحدثون كثيرًا عن القيم. عن الوفاء عن الصداقة عن العشرة الطيبة. كلمات كبيرة تلمع في الهواء مثل زينة جميلة لكنها بلا جذور في الأرض. تسمع الكلام فتظن أنك أمام حكماء الزمان ثم تنظر إلى الأفعال فتكتشف أنك أمام طلاب في مدرسة أخرى تمامًا.

مدرسة لا تضع لافتة على بابها لكنها معروفة لمن تأمل قليلًا. فيها مادة أساسية اسمها التلون ومادة اختيارية اسمها تغيير المواقف حسب الحاجة. والنجاح فيها لا يحتاج اجتهادًا كبيرًا فقط يحتاج ذاكرة قصيرة وابتسامة مناسبة لكل مجلس.

هم بارعون في فن الحضور. يدخلون كل مكان وكأنهم أصحاب البيت ويخرجون منه وكأنهم لم يتركوا خلفهم كلمة واحدة. مع الجميع ودائمًا في الجانب الآمن. لا يختلفون مع أحد ولا يلتزمون بشيء. فقط يراقبون المشهد ثم يختارون المقعد الأقرب للمكسب.

وحين تتأمل الأمر أكثر تكتشف أنهم بالفعل أصحاب مبدأ. مبدأ ثابت جدًا لا يتغير مهما تبدلت الوجوه والظروف. مبدأ بسيط يقول إن الوقوف في المنتصف أريح من الوقوف مع الحقيقة.

والأجمل في الحكاية أن خسارة هذا النوع من الناس ليست خسارة كما يظن البعض بل غنيمة حقيقية. فبعض المسافات راحة وبعض الأبواب حين تغلق خلفهم تصبح البيوت أهدأ والقلوب أخف.

ولهذا لا مشكلة أبدًا إن قرروا الابتعاد. بل ليتهم يفعلونها من تلقاء أنفسهم. فبعض الغياب هدية ثمينة لا نطلبها لكننا حين نحصل عليها ندرك أن الحياة صارت أنقى بكثير.

ولهذا حين يحتار البعض في وصفهم أقول لا تتعبوا أنفسكم كثيرًا. فهم ليسوا بلا مبدأ كما نظن. بل أصحاب مبدأ واضح للغاية. فقط هو مبدأ لا يُكتب في الكتب ولا يُدرَّس في الأخلاق لكنه منتشر أكثر مما نتخيل….قلة الأصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى