مقالات
أخر الأخبار

“فقر التعلم في مصر: تحديات التعليم ومستقبل التنمية”

“فقر التعلم في مصر: تحديات التعليم ومستقبل التنمية”

 

كتب الدكتور:سامح فرج حموده.

 

يمثل التعليم أحد المحاور الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، كما ورد في الهدف الرابع من أهداف الأمم المتحدة، الذي يدعو إلى ضمان التعليم الجيد للجميع. ورغم الجهود المبذولة لتحسين النظام التعليمي في مصر، إلا أن العديد من التحديات تعرقل الوصول إلى تلك الغاية، أبرزها فقر التعلم، الذي يشكل تهديدًا كبيرًا على مستقبل الأجيال القادمة والتنمية البشرية.

 

بحسب مؤشر المعرفة العالمي لعام 2023، احتلت مصر المرتبة 90 من بين 133 دولة بقيمة 42.5، بينما كان المتوسط العالمي 47.5، ما يعكس تواضع البنية التحتية المعرفية مقارنة بالمستوى العالمي. وفي مجال التعليم قبل الجامعي، سجلت مصر 64.75 نقطة، لكنها جاءت في المرتبة 80 عالميًا، فيما حقق التعليم التقني والتدريب المهني 55.88 نقطة، وجاء في المرتبة 46. هذه الأرقام تشير إلى فجوة واضحة بين الواقع التعليمي والأهداف المنشودة.

 

يعد “فقر التعلم” أبرز الأزمات التي تواجه النظام التعليمي، إذ تشير تقارير البنك الدولي إلى أن 70% من الأطفال عالميًا، في سن العاشرة، لا يستطيعون قراءة نص بسيط وفهمه. وفي مصر، بلغت نسبة الأطفال الذين يعانون من فقر التعلم 69.9%، ما يضع البلاد ضمن أدنى الشريحة العشرية عالميًا على أساس معايير الأداء الدولي في الرياضيات والعلوم. ووفق دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ترتبط هذه الأزمة بشكل مباشر بالفقر المادي والفقر متعدد الأبعاد، ما يزيد من تعقيد الحلول المطلوبة.

 

من جهة أخرى، سلط تقرير البنك الدولي الصادر في 2022 الضوء على التحديات الهيكلية التي تواجه التعليم المصري. فرغم أن مصر تضم أكبر نظام تعليمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بوجود أكثر من 24 مليون طالب في مراحل التعليم قبل الجامعي، إلا أن هناك عجزًا واضحًا في أعداد المعلمين. فقد بلغ العجز 470 ألف معلم في جميع المراحل، رغم المبادرات الحكومية، مثل تعيين 30 ألف معلم سنويًا أو إتاحة 50 ألف وظيفة بنظام الحصة. كما أشار التقرير إلى زيادة أعداد الإداريين والعمال بنسبة كبيرة خلال السنوات الماضية، مقابل انخفاض أعداد المعلمين بنسبة 8%، ما يؤثر سلبًا على جودة العملية التعليمية.

 

وفي محاولة لتخفيف الضغط على أولياء الأمور، تبنت الحكومة نظامًا تعليميًا جديدًا يهدف إلى ربط الطلاب بسوق العمل، وتقليل الأعباء المادية. لكن هذا النظام أثار جدلًا واسعًا بسبب قرارات إلغاء بعض المواد وتقليل عدد المواد الأساسية إلى خمس فقط، ما زاد الضغط النفسي على الطلاب، حيث أصبحت الأخطاء تؤثر بشكل كبير على الدرجات النهائية.

 

رغم ذلك، يبقى النظام الجديد خطوة نحو تحديث التعليم وربط المناهج بمتطلبات سوق العمل، خاصة مع تطور القطاع الخاص بوتيرة أسرع من الحكومي، حيث ارتفع عدد المدارس الثانوية العامة والفنية الخاصة بمعدلات نمو سنوية بلغت 9% و19% على التوالي.

 

تظهر هذه التحديات الحاجة إلى حلول جذرية تتجاوز تعديل المناهج الدراسية، لتشمل تحسين بيئة التعليم، زيادة أعداد المعلمين، وتطوير البنية التحتية. فالتعليم ليس مجرد حق أساسي، بل هو المفتاح لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وإذا استمرت مصر في مواجهة هذه التحديات بنفس النهج، قد يصبح الوصول إلى أهداف التنمية المستدامة بحلول 2030 بعيد المنال. لذا، يتطلب الوضع تكاتف الجهود الحكومية والمجتمعية والدولية لتوفير تعليم شامل وجيد يعيد بناء المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى