
رمضان بين نفحات الطاعة وفخاخ مواقع التواصل: هل نهدر كنز الأوقات؟
إعداد: د. سامح فرج حموده
رمضان ليس مجرد شهر للصيام، بل هو محطة إيمانية تتجدد فيها النفوس وتصفو فيها القلوب، شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله، وتتنزل فيه الرحمات، وتُضاعف فيه الحسنات. ومع ذلك، أصبح الكثيرون في عصر التكنولوجيا يقضون ساعات طويلة أمام مواقع التواصل الاجتماعي، منشغلين بمحتويات قد لا تفيد، وربما تجر إلى المعاصي وتضييع الأوقات الثمينة. فهل تحول هذا الشهر المبارك من فرصة للعبادة إلى ساحة للغفلة والتسويف؟
الزمن.. نعمة قد تضيع أمام الشاشات
الوقت هو رأس مال الإنسان، ومن النعم العظيمة التي أنعم الله بها على عباده، حتى أقسم به في غير موضع من كتابه العزيز، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:1-2]، وقال أيضًا: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ ٱلَّیْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةࣰ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن یَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورࣰا﴾ [الفرقان:62].
وفي حديث شريف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ” [رواه البخاري]. فكم من ساعات تمر أمام الشاشات دون فائدة، وكم من ليالٍ تضيع في تصفح المحتويات التي لا تزيد العبد إلا غفلة!
كيف نظر السلف إلى قيمة الوقت؟
كان الصحابة والسلف الصالح يدركون قيمة الوقت، وخاصة في شهر رمضان. قال الحسن البصري: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك”. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد عملي”.
أما الإمام ابن القيم، فقد وصف إضاعة الوقت بأنها “أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها”.
مواقع التواصل.. بين الإفادة والإضاعة
في العصر الحديث، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياة كثير من الناس. ورغم فوائدها في نشر العلم والدعوة، إلا أنها قد تتحول إلى أداة لإضاعة الوقت، ونشر المحتوى التافه، وشغل القلب عن الذكر والطاعة.
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الانشغال بما لا ينفع، فقال: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” [رواه الترمذي]. فكيف بمن يقضي الساعات أمام الشاشات، يشاهد ما لا ينفع، بل قد يضر قلبه ودينه؟
رمضان.. فرصة لا تعوض
رمضان هو موسم الطاعات، وهو أعظم فرصة للعبد ليعود إلى الله، ويستثمر وقته في ما ينفعه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر” [رواه الترمذي].
فلماذا نضيّع هذه الفرصة الثمينة أمام شاشات الهواتف ومواقع التواصل، بدلًا من اغتنامها في الصلاة والذكر وتلاوة القرآن؟
كيف نواجه “سارق الأوقات”؟
1. تحديد أوقات معينة لاستخدام مواقع التواصل: لا بأس باستخدامها بقدر، ولكن دون أن تسرق منك لحظات رمضان الثمينة.
2. توظيف التكنولوجيا في الطاعة: الاستماع للقرآن، متابعة الدروس الدينية، ونشر الخير بين الناس.
3. المحاسبة اليومية: قبل أن تنام، اسأل نفسك: هل قضيت يومي في طاعة أم ضيعته في تصفح بلا فائدة؟
4. وضع أهداف رمضانية: اجعل لنفسك خطة لتلاوة القرآن، وحضور دروس العلم، والصدقة، والقيام.
خاتمة: لا تدع رمضان يرحل وأنت في غفلة
رمضان شهر لا يُعوض، فكل دقيقة فيه كنز، وكل لحظة قد تكون سببًا في رفع درجتك عند الله. فلنحرص جميعًا على اغتنامه في الخير، ولنتذكر قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ مَا قَدَّمَتۡ یَدَاهُ وَیَقُولُ ٱلۡكَافِرُ یَـٰلَیۡتَنِی كُنتُ تُرَ ٰبࣰا﴾ [النبأ:40].
أسأل الله أن يعيننا على طاعته، وأن يجعلنا من عتقاء شهر رمضان، وأن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمالنا.




