مقالات
أخر الأخبار

حين تخدعك الطاعة.. وتحكم على غيرك !

حين تخدعك الطاعة.. وتحكم على غيرك ! كتب الدكتور سامح فرج حموده-باحث في قضايا الإعلام والمجتمع.

 

في زمنٍ أصبحت فيه الذنوب تُشهر والناس تُقَيَّم، تجد من يُكفّر، ويُفسّق، ويشعر بعلوّ كاذب لمجرد أنه لم يقع في ذنب وقع فيه غيره. هذا التوجّه النفسي – الذي قد يُصيب بعض المتدينين والملتزمين – يحمل في طيّاته خطرًا خفيًا: العُجب بالنفس، واحتقار الآخرين.

لكن هل نجوْنا نحن بجهدنا، أم أن الله سَترنا برحمته؟ وهل يجوز لنا أن نحتقر عاصيًا لمجرد أن زلت به القدم؟ أين يقف الدين من هذه النفسية التي تنتشر بقوة على مواقع التواصل وفي واقع الناس؟

أولًا: النظرة المتعالية.. مرض القلب لا عبادة اللسان.

يقول الله تعالى:

{فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ} [النجم: 32]

الآية واضحة: لا تزكّي نفسك، ولا تظن أنك بلغت مرتبة النجاة، فإنّ العلم عند الله.

ويقول الإمام ابن القيم:

“العُجب: هو استعظامُ النعمة، ونسيانُ نسبتها إلى المنعم، فتتولد منها رؤية النفس والاستغناء بها عن الله”

— مدارج السالكين (2/329)

ثانيًا: الفتنة قد تصيبك في أي لحظة.

قال رسول الله ﷺ:

“من عيَّر أخاه بذنبٍ لم يمت حتى يعمله”

— رواه الترمذي (2505) وقال: حسن

وهذا الحديث يُرعب القلب، فمجرد تعيير العاصي بذنبه قد يُعرّضك لنفس الذنب، وقد لا تموت حتى تذوق مرارته بنفسك، كأنما العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.

ويقول الحسن البصري:

“والله ما رأيتُ أحدًا نظر في عيوب الناس إلا سقط”

— أخرجه أبو نُعيم في الحلية (2/145)

ثالثًا: الستر من الله لا من تقواك.

ربما كنت مثل هذا العاصي، وربما أسوأ، لكن الله سترك ولم يفضحك.

قال ابن المبارك رحمه الله:

“رُبَّ معصية أورثتْ ذلًا وانكسارًا، خير من طاعة أورثتْ عزًا واستكبارًا”

— حلية الأولياء (8/167)

ولذلك، قال النبي ﷺ:

“لا يُؤمن أحدُكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”

— متفق عليه

فهل تحبّ أن يُفضح ذنبك؟ إذن استر غيرك، وادعُ له، وقل: “اللهم ثبّتني كما سترتني، واهدِه كما هديتني”.

رابعًا: منهج السلف في التعامل مع العاصي.

لم يكن السلف يحتقرون العصاة، بل كانوا يخافون أن يُبتلوا مثلهم.

قيل لسفيان الثوري رحمه الله عن رجل وقع في ذنب:

فقال: “احمدوا الله الذي عافاكم، ولا تتكلموا في إخوانكم بشيء”

— سير أعلام النبلاء (7/260)

وكان ابن سيرين إذا رأى مبتلى بمرض أو ذنب، قال:

“الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضّلني عليك تفضيلًا”

— رواه الترمذي في “الشمائل” (349)

خامسًا: وسائل التواصل وتضخيم الذنب.

في عالم السوشيال ميديا، صار “فضح الذنوب” مشهدًا جماعيًا، وأصبح الناس يتعاملون مع الذنوب كأنها ساحة انتقام وتشهير، لا موضع ستر وستر ورحمة.

وقد قال رسول الله ﷺ:

“من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة”

— رواه مسلم (2590)

لكننا اليوم نبحث عن “التريند”، فنفضح، وننشر، وننسى أن كل ما نقوله سيُعرض علينا يوم القيامة.

الخاتمة: أنقِذ نفسك من العُجب، لا من الذنب.

ليس العاصي من زلّت به القدم، بل من أُعجب بنفسه ونظر للناس باحتقار، فتُرك لما فيه. فالزمن دوّار، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، والفتن لا تفرق بين سابق ولا لاحق.

فادعُ لنفسك بالثبات، وادعُ لأخيك بالهداية، ولا تتكبّر، فإنّك إن نجوت فبرحمة الله لا بقوة نفسك.

المصادر:

1. القرآن الكريم – سورة النجم: 32

2. صحيح الترمذي: 2505

3. صحيح مسلم: 2590

4. البخاري ومسلم – حديث: لا يؤمن أحدكم…

5. ابن القيم – مدارج السالكين

6. ابن المبارك – الحلية لأبي نعيم

7. سير أعلام النبلاء – الذهبي

8. الترمذي – الشمائل المحمدية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى