مقالات

جسور من الثقافة: مسيرة اللغة الفرنسية في مصر وتطور حضورها

بقلم: العربي إسماعيل
خاص للصدارة الدولية

​تعد اللغة الفرنسية في مصر أكثر من مجرد وسيلة للتواصل؛ فهي إرث تاريخي ونافذة ثقافية ساهمت في صياغة جانب كبير من التحديث الذي شهدته الدولة المصرية في القرون الأخيرة. للغوص في تفاصيل هذا الحضور وتطوره، أجرينا حواراً خاصاً مع مسيو محمد شومان، الأستاذ المتميز في اللغة الفرنسية، لاستعراض رحلة “لغة موليير” في أرض الكنانة.
​بداية الحضور: النخبة والتحديث
​أشار مسيو محمد شومان إلى أن دخول الفرنسية إلى مصر لم يكن وليد الصدفة، بل كان جزءاً من مشروع حضاري طموح. يقول شومان: “بدأ التغلغل الفعلي للغة الفرنسية في العصر الحديث مع البعثات التعليمية في عهد محمد علي باشا، حيث أصبحت الفرنسية اللغة الأساسية للعلوم والطب والهندسة والإدارة، لتصبح لغة ‘النخبة المتعلمة’ في مصر”.
​حقبة “الفرانكفونية” المصرية
​خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لم تكن الفرنسية لغة أجنبية فحسب، بل كانت اللغة الرسمية للمراسلات الدبلوماسية ولغة الصالونات الثقافية والأعمال. يوضح شومان أن القوانين المصرية في تلك الفترة، وخاصة القانون المدني، كانت مستمدة من القانون الفرنسي، مما جعل إتقان الفرنسية ضرورة مهنية وقانونية.
​تطور اللغة في مصر: من “لغة الإدارة” إلى “لغة الثقافة”
​مع مرور الزمن، تغير شكل حضور اللغة الفرنسية. يرى شومان أن اللغة انتقلت من كونها لغة إجبارية في أروقة الحكم إلى لغة اختيارية تعبر عن التميز الثقافي:
​التعليم: لا تزال المدارس الفرنسية والمدارس التي تدرس اللغة كلغة ثانية تحتل مكانة مرموقة، وتخرج أجيالاً قادرة على الربط بين الفكر العربي والثقافة الغربية.
​الأدب والفنون: تأثر الأدب المصري والسينما المصرية بالمدرسة الفرنسية بشكل واضح، حيث استعار الكتاب والمبدعون المصريون الكثير من التقنيات السردية والجمالية من الأدب الفرنسي.
​العلاقات الدبلوماسية: تظل الفرنسية حاضرة بقوة في أروقة الدبلوماسية المصرية، كجسر حيوي للتواصل مع الاتحاد الأوروبي والمنظمة الدولية للفرنكوفونية.
​تحديات العصر الرقمي ومستقبل اللغة
​سألنا مسيو شومان عن وضع اللغة الفرنسية في ظل هيمنة اللغة الإنجليزية، فأجاب بحكمة: “التحدي حقيقي، لكن الفرنسية في مصر تمتلك ‘جذوراً’ لا يمكن اقتلاعها. فهي لغة ذات طابع أكاديمي وعلمي، ويزداد الإقبال عليها اليوم ليس فقط للعمل، بل للبحث العلمي والتمتع بالأدب والفن الفرنسي”.
​وأضاف شومان أن التطور التكنولوجي وفر أدوات جديدة لتعلم الفرنسية، مما ساعد في ديمقراطية الوصول إلى اللغة بعد أن كانت حكراً على طبقات اجتماعية معينة.
​خاتمة: مستقبل واعد
​اختتم مسيو محمد شومان حديثه بالتأكيد على أن اللغة الفرنسية في مصر هي “لغة الحوار”، وليست لغة صدام. إن استمرار الاهتمام بها يعني الحفاظ على علاقة تاريخية ممتدة، وتأكيداً على انفتاح الشخصية المصرية على الثقافات العالمية.
​تظل الفرنسية في مصر، كما وصفها شومان، “خيطاً ذهبياً في نسيج الثقافة المصرية”، يزداد بريقه كلما أحسنا استخدامه لمد جسور التواصل مع العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى