مقالات

الوجوه المتقلبة… وخيانة المجالس بين الأخلاق والقانون

كتب المستشار محمد مسلم
في زمنٍ تتبدّل فيه المواقف بسرعة المصالح، وتُقاس العلاقات بميزان المنفعة، يبرز نموذج خطير في الحياة الاجتماعية والعملية، هو نموذج “الوجه المتقلب”؛ ذاك الذي يحسن الحضور بابتسامة، ويُجيد الغياب بطعنة، ويبدّل مواقفه كما يبدّل كلماته.

ليست المشكلة في اختلاف الرأي، فالاختلاف سنّة الحياة، لكن الخطر كل الخطر في ازدواجية الموقف، حيث يُقال في المجلس كلام، ويُحاك خارجه نقيضه، وتتحول المجالس الخاصة إلى ساحات لنقل الأسرار وإشعال الفتن.

المجالس بالأمانة

قررت الشريعة الإسلامية قاعدة أخلاقية راسخة مفادها أن “المجالس بالأمانة”، وهي قاعدة تعني أن ما يُقال في مجلس خاص يظل أمانة في أعناق الحاضرين، لا يُنقل ولا يُحرّف ولا يُستعمل للإضرار بصاحبه.

فالسر إذا خرج من فم صاحبه على سبيل الثقة، أصبح دينًا في ذمة من سمعه، وخيانته ليست مجرد خطأ عابر، بل سقوط في ميزان المروءة.

وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من ازدواجية الوجه، واعتبر صاحب الوجهين من شرار الناس، لأن المجتمع لا يقوم إلا على الثقة، فإذا اهتزت الثقة تفككت الروابط، وفسدت المعاملات.

من الرذيلة الأخلاقية إلى الجريمة الجنائية

قد يظن البعض أن خيانة المجالس مسألة أخلاقية بحتة، لكن الواقع القانوني يثبت أن بعض صورها ترتقي إلى مرتبة الجريمة المعاقب عليها.

فإذا تعلّق الأمر بسر مهني أو وظيفي، فإن إفشاءه قد يُكوّن جريمة إفشاء أسرار يعاقب عليها قانون العقوبات.

وإذا اقترن النقل بالتشهير أو الإسناد الكاذب، فقد تتوافر أركان جريمة القذف أو السب.

أما في ظل التطور الرقمي، فإن نشر محادثات خاصة أو تسجيلات دون إذن قد يندرج تحت جرائم الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة وإساءة استعمال وسائل الاتصال.

وهنا تتحول الكلمة من مجرد حديث عابر إلى دليل إدانة، ويتحول ناقل الكلام من شخص “ثرثار” إلى متهم أمام القضاء.

أثر الظاهرة على المجتمع

انتشار الوجوه المتقلبة يزرع الشك بين الناس، ويهدم الثقة داخل بيئات العمل، ويُضعف الروابط الاجتماعية. فلا مجلس آمن، ولا حديث مطمئن، ولا شراكة مستقرة في ظل غياب الأمانة.

والمؤسف أن صاحب الوجهين قد يحقق مكاسب وقتية، لكنه يخسر أهم رأسمال اجتماعي يمكن أن يملكه الإنسان: سمعته.

كلمة أخيرة

إن المجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بالأخلاق التي تسبقها وتحميها. والقانون يتدخل حين تسقط الضمائر، لكنه لا يستطيع أن يزرع الوفاء في قلبٍ اختار التلون.

فلنحفظ ألسنتنا قبل أن يحاسبنا القانون، ولنصن مجالسنا قبل أن تُهدر كرامتنا.

فالناسى تُعرف بثباتها، لا بتبدّل وجوهها، وبوفائها، لا بقدرتها على نقل الكلام.

——

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى