مقالات
أخر الأخبار

فقه الهدم والبناء

هل تُشَوه العبادات لصالح أخرى على مواقع التواصل؟"

بقلم: د. سامح فرج حموده.


في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتنوع الأصوات التي تتحدث باسم الدين، ظهرت في السنوات الأخيرة منشورات تدعو إلى تقديم بعض العبادات على غيرها، ليس من باب الترغيب، بل من خلال التقليل من شأن العبادات الأخرى، فهل أصبح خطابنا الدعوي انتقائيًا؟ وهل فقدنا شمولية الإسلام في دعواتنا؟

تنتشر على مواقع التواصل منشورات تقول: “لا تحدثونا عن فضل رمضان، ولكن حدثونا عن بر الوالدين”، وأخرى تقول: “لا تبحثوا عن ليلة القدر في المساجد والمصاحف، بل التمسوها عند الأيتام وصلة الأرحام”. ورغم أن هذه العبادات كلها من جوهر الدين، إلا أن هذه المنشورات تطرح تساؤلات حول الأسلوب الدعوي المستخدم، وهل هو قائم على بناء الوعي أم هدم بعض المفاهيم لصالح أخرى؟

رأي المتخصصين:

يقول د. أحمد الهادي، أستاذ الشريعة: “الإسلام دين شامل، ولا يوجد تعارض بين عبادة وأخرى، بل التكامل هو الأساس. لكن بعض الخطابات على مواقع التواصل تخلق انطباعًا بأن هناك تضادًا بين أعمال البر، وهذا يخالف المنهج النبوي.”

أما الشيخ محمد خالد، خطيب وإمام، فيرى أن هذه المنشورات تضر بالوعي الديني: “الرسول ﷺ علمنا التوازن بين العبادات، فلا يمكن أن نقلل من شأن عبادة لنرفع من أخرى. الأفضل أن نرشد الناس إلى تنويع أعمال الخير دون انتقاص.”

أدلة من الكتاب والسنة:

قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة: 43)، فجمع بين الصلاة والزكاة كأعمال متكاملة. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (التغابن: 16)، فجعل التقوى والطاعة والإنفاق جميعها من أعمال البر.
أما من السنة، فقد روى البخاري (5971) ومسلم (2557) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سألت النبي ﷺ: “أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله.” فهذا الحديث يوضح ترتيب الأولويات دون إلغاء أي عبادة.
كذلك روى مسلم (2699) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “من لا يَرحم لا يُرحم.” وهذا دليل على أهمية الرحمة وصلة الرحم دون التقليل من العبادات الأخرى.

وجهة نظر الجمهور:

محمد، شاب في العشرينيات، يقول: “عندما أرى هذه المنشورات أشعر وكأن هناك أولويات خاطئة يتم فرضها علينا، بينما في الحقيقة يمكننا الجمع بين العبادة والصلاة وصلة الرحم.” أما فاطمة، ربة منزل، فتقول: “هذه المنشورات تشوش على الناس، وتجعل البعض يظن أن قراءة القرآن في ليلة القدر مثلاً أمر غير مستحب، بينما هو من أعظم الأعمال.”

الخاتمة:

يبقى السؤال الأهم: هل نحن بحاجة إلى إعادة ضبط الخطاب الدعوي على مواقع التواصل؟ يبدو أن الحل لا يكمن في التقليل من شأن بعض العبادات لصالح أخرى، بل في توعية الناس بشمولية الدين واتساع دائرة الخير، بحيث يسعى كل فرد إلى التوازن في عباداته وعلاقاته، دون أن يقع في فخ الهدم باسم البناء.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى