
الخوف من الله تعالى والرهبة من عذاب الآخرة
بقلم/ القاسم محمد جعفر
رئيس القسم الديني بجريدة الصدارة الدولية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلي آله وأصحابه أجمعين وبعد نحن اليوم علي موعد مع الصفة الرابعة من صفات عباد الرحمن كما جاءت في سورة الفرقان
قال تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا *إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)
بعد أنْ وصف الله عباد الرحمن بالأوصاف الثلاثة السابقة جاءت هذه الآية لتضم إليهم الصفة الرابعة , وفيها مدحٌ لهم ببيان أنهم مع حُسن معاملتهم مع الخلق , واجتهادهم في عبادة الحق يخافون العذاب , ويبتهلون إلى ربهم عز وجل في صرفهِ عنهم غير محتفلين بأعمالهم كقوله تعالي ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)
وسر اختيارهم لاسم ” الرب ” : إشارة إلى تمام الإحسان منه سبحانه , وإشارة إلى أنَّ صرف العذاب عنهم إنما هو بفضل الله ورحمته وإحسانه , والمعنى : أيها المحسن إلينا اصرف عنا عذاب جهنم الذي أحاط بنا لاستحقاقنا إياه إلا أن تدركنا بعفوك ورحمتك بما توفقنا له
وفي معنى ” غَرَامًا ” خمسة آراء جمعها صاحب زاد المسير حيث قال في قوله تعالى “كَانَ غَرَامًا ” فيه خمسة أقوال متقارب معانيها
أحدها: دائمًا , رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
الثاني: مُوجعًا , رواه الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما
الثالث: مُلِحًّا , قاله ابن السائب وقال ابن جريج لا يُفارق
الرابع: هلاكًا , قاله أبو عبيدة
الخامس: أنَّ الغرام في اللغة : أشدُ العذاب
وقد ذكر الله تعالى أنَّ علة سؤالهم ودعائهم شيئان
الأول: أنَّ عذابها كانَ غرامًا , يقول: إنَّ عذاب جهنم كان غرامًا , مُلحًا , دائمًا , لازمًا , غير مفارق مَنْ عُذِبَ بهِ من الكفار ومُهلِكًا له
الثاني: أنها ساءت مستقرًا ومُقَامًا , أي بئس المستقر , وبئس المُقام , أي أنهم يقولون ذلك عن علمٍ , وإذا قالوه عن علمٍ كانوا أعرف بعِظَمِ قدر ما يطلبون فيكون ذلك أقرب إلى النجع
والفرق بين المستقر والمقام : يحتمل أن يكون المستقر للعصاة من أهل الإيمان , فإنهم يستقرون في النار ولا يقيمون فيها , وأمَّا الإقامة فللكفار
وقوله تعالى ( إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) يمكن أن يكون من كلام الله تعالى , ويمكن أن يكون حكاية لقولهم
وقد حَثَّ القرآن العظيم على التعوذ من النار , قال تعالى( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) وقال تعالى( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
ويقول تعالى في وصف المؤمنين (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من النار إذا مَرَّ بآيةٍ تتحدث عن النار , فعن أنسٍ رضي الله عنه قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:” اللهمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
وهذا الوصف اتصف به الصحابة الكرام , قال تعالى( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله , أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال:” لا يا بنت الصديق , ولكنهم الذين يصومون ويُصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لايُقبلَ منهم أولئك الذين يُسارعون في الخيرات
فعباد الرحمن وهم يتوجهون إلى ربهم في ضراعةٍ وخشوعٍ ليصرفَ عنهم عذاب جهنم لا يُطمئنهم أنهم يبيتون لربهم سُجدًا وقيامًا , فهم لا يُخالجُ قلوبهم من التقوى , يستقلون عملهم وعبادتهم , ولا يرون فيها ضمانًا ولا أمانًا من النار إن لم يتداركهم فضل الله وسماحته وعفوه ورحمته فيصرف عنهم عذاب جهنم
ومما سبق يتضحُ أنَّ عباد الرحمن الذين يبيتون لربهم سُجدًا وقيامًا يخافونه ويخشونه ويتضرعون إليه أنْ يصرفَ عنهم عذاب جهنم , وأنْ يُنجيهم من تعرضها وتصديها لهم , ويرتعبون في تعبيرهم وهم يتضرعون
إلى ربهم خوفًا وفزعًا ” إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ” , وهذه صفة محمودة في عباد الرحمن وهي أنه مع رجاءهم في رحمة الله تعالى وطمعهم فيها , يخافون عذاب جهنم التي ساءت مستقرًا ومُقامًا وهكذا يعيشُ عباد الرحمن بين منزلتي الخوف والرجاء , كما قال الله تعالى( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) نسأل الله تعالي ان يصرف عنا عذاب جهنم ان عذابها كان غراما وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم




