مقالات

الأماكن الهادئة :

ـــــــــــــــــــــــــــــــ”
بقلم الكاتب : عبدالعزيز الطباخ
————– ——————–
.. كل الذين استوعبوا حقيقة الحياة .. وأتعبتهم قسوتها ، أدركوا معناها ، وفهموا مغزاها .. فتعلموا الحكمة ثمناً لذلك .. فاختاروا الهدوء ، وقلة الظهور ، وتجنبوا المظاهر الكاذبة .. بعد أن أدركوا متأخرين أن الصخب والضجيج لا يضيف شيئاً للنفس أو الروح .. فلم تعد تغريهم مباهج الحياة بعد أن رأوا كيف يركض الناس خلف الزحام ، والأضواء ، ثم يعودون فى آخر الليل مكدودين ، مشتتين ، فارغين من الطمأنينة ، فعرفوا أن الهدوء ليس هروباً من الحياة ، بل ارتقاء فوق صخبها ، وتفاهتها …

… أمثال هؤلاء : لا يكرهون الناس .. ولكنهم تعبوا من الزحام ، وكثرة الحضور الذي يرهق القلب دون أن يمنحه معني .. فقد تعلموا أن أغلب معارك الحياة لا تستحق أن تخاض ، لأن السلام الداخلي أثمن ألف مرة من إنتصار مؤقت فى جدال عابر لا جدوي منه ، وأن أعظم الكلمات حكمة ــ ربما ــ هي تلك التي لم تقال ، وأن الصمت كثيراً ما يكون أكثر راحة من الكلام .. وأن حياة الصخب التي ترهق الروح ، تجعلنا نعشق الصمت ، ونتوق إلي الهدوء والسكينة …

… لقد أدركوا أخيراً أن السكينة ، وراحة البال هي ثمرة تجارب صراعنا مع الحياة ، وأن قلة الظهور لم يكن أبدا إنسحابا من الحياة أو فشلا فى مواجهتها . ذلك أن الإنسان في بدايات عمره يعتقد أنه لكي يثبت نفسه ، يجب عليه أن يكون حاضراً باستمرار ، فى كل مناسبة ، وأن يسمع صوته عالياً ، وأن يترك أثراً مبهرا فى كل علاقة ، وفي كل سجال .. لكنه مع الأيام يكتشف أن العالم لم يكن متوقفا عليه ، وأن الركض الطويل قد أتعب قلبه ، و سلب منه راحته ، وسلامه الداخلي …

… ومع تكرار المواقف ، وتراكم التجارب والخبرات .. يتعب الإنسان ، فيتلمس لنفسه الراحة ، ويتوق إلي التفكر والتأمل ، سائلاً نفسه : ماذا فعلت بنا السنين ، وإلي أين تمضي بنا .. هنآ : يبدأ شيء بداخله يتغير .. وتخف الرغبة فى الكلام ، وتخفت الرغبة في الجدال .. ويقل حماسنا لتبرير أخطائنا ، ويتراجع شغفنا فى الظهور في المناسبات ، وليس ذلك لأننا فقدنا شغفنا بالحياة ، بل لأننا صرنا أكثر إدراكاً ، وأگثر وعيا بقيمة أنفسنا ، وسلامنا الروحي ، بعدما تيقنا أن بعض المعارك لا طائل منها ، وأنها تستهلك الروح بلا جدوي …

… إن الذين استوعبوا دروس الحياة : أدركوا نعمة الهدوء والسكينة ، حفاظاً على ما تبقي لهم من نقاء ، وهدوء نفسي .. كما أدركوا أن أكثر الناس صخبا ، وصراخا قد يكونون أكثرهم فراغاً من الداخل .. وأن الضجيج ، وعلو الصوت ، وكثرة الكلام ، والنميمة ، لا يصنع قيمة حقيقية للإنسان .. بل مواقفه المشرفة ، ورقي خلقه ، ونزاهة نفسه ، وأناقة فكره هي من تفعل ذلك …

… ومما لا شك فيه : أن الذين يميلون إلى الأماكن الهادئة ، والعلاقات القليلة الصادقة التي لا تحتاج إلي تصنع القول ، هم أكثر الناس نضجاً وعمقا فى التفكير .. بعد أن أدركوا أن الإنسان يستحيل عليه سماع صوته الداخلي وسط الصخب والضجيج .. إنهم يشبهون في ذلك الأنهار العميقة .. هادئة علي السطح ، ولكنها مليئة بالحياة فى أعماقها …

… وفي حكمة أدركها الأديب الروسي الشهير ( يوكوفسكي ) … يقول فيها : ــ

* لقد جربت أن أعيش بين الناس .. أضحك معهم .. أشاركهم الأيام .. لكني أدركت مؤخراً أن كل ضحكة فارغة ، وكل كلمة كانت تأخذ مني جزءا من نفسي .. لقد أصبحت أتنفس هواء ليس هوائي ، وأتحدث بكلمات لا أشعر بها .. ثم جاء اليوم الذي اخترت فيه البعد بدلا من الجروح اليومية ، والصمت بدل الضوضاء .. كان الأمر صعباً في البداية .. أن أفتقد الناس ، أفتقد صوتهم ، وازعاجهم .. ولكن بعد أشهر بدأت أفهم نفسي ، وأسمع صوتي ، هنا فى غرفتي الصغيرة بين جدران صامته ، لم أعد أحتاج لأحد يكذب علي ، أو يصنع مني صورة ليست حقيقتي … ثم يؤكد لنا الرجل : أن الاعتزال هنا لم يكن هروبا ، بل هو إعادة إكتشاف للنفس .. وفرصة لكى أكون صريحاً مع ما تبقي من روحي ، قبل أن يبتلعني العالم بلا رحمة .. لقد أصبحت ــ الآن ــ اسمع صوت قلبي .. أسمع رغباتي .. أسمع خوفي .. أسمع كل شيء كنت أدفنه وسط البشر .. فلم أعد أحتاج إلي نصائحهم ، أو إلي آمالهم الزائفة …

… ومن أروع ما قرأت عن ذلك : ما يروي عن الأديب الأيرلندي الشهير ( برنارد شو ) .. : ـــ

* عندما بلغ سن الستين توقف مع نفسه طويلاً .. يفكر .. ويتساءل : كيف يعيد ترتيب أوراق حياته فيما تبقي له من عمر ، وفي هذه السن المتأخرة .. فقد كان في صحة جيدة ، وفي قمة نشاطه .. فرغب أن يعيش ما تبقي له من عمر فى مكان هاديء بعيداً عن صخب الحياة .. وأمضي عمره المديد يبدع حتي بلغ عمره ٩٤ عاما .. فعاش حياة بسيطة ، هادئة .. كان لا يدخن ، ولا يأكل اللحم ، ولا يشرب الخمر ، ولا يسمح للحزن أن يطرق بابه .. حتي أنه سئل عن ذلك : فقال : أنا لا أحزن أبدا ، ولكني لا أنسي .. فهو هنآ لا يستخف بأحزان الحياة ، بل يتذكرها جيدا ، لكنه لا يسمح لها أن تعكر صفو حياته ، لأنه أدرك بحكمة السنين : ( أنه لا جدوي أبدا من اجترار الأحزان ) …

… لقد أدرك هذا الرجل بحكمة السنين : أن الحياة الصاخبة تجعلنا نعشق الصمت .. وأن بعض الأماكن الهادئة تصلح لعلاج الروح ، لأنها تشبه القلوب النقية … وأنا أقول : ـــ

• إن الأماكن الهادئة لا تشفي أرواحنا فقط
• بل تعيدنا إلينا
• لأنها تشبه السلام

“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى