
* وكان عتاب — الجزء الثاني :
—————– ——————-
بقلم الكاتب والمحامي : عبدالعزيز الطباخ
—————————— ———————-
… وبمرور الأيام .. ورغبة مني للتخفيف من غلواء العتاب مع نفسي ، بعد أن ألقت بالكرة فى ملعبي ، وحملتني ذنب تسامحي ، وإشفاقي علي من لآ يستحقون ذلك ، ممن قابلوا الحسنة بالسيئة ، والرحمة بالقسوة .. قلت لها : ـــ
… ( يآ نفسي رويدك عني ) .. فلقد لملمت شراع نفسي الثائرة ، بعد أن هدأ الموج الصاخب الذي اشتعل بداخلي .. وأنا الآن أطالع وجه القمر المتربع فى سماء الدنيا ، ومآ حوله من كوكبة النجوم المتألقة كحبات الثريا .. إنهم ليسوا غرباء عني .. بل يشكلون جزءاً مني .. جزءاً لآ يتجزأ من أعماق نفسي .. نفسي التي ولدت بها .. نفسي السعيدة المذهولة ، الحائرة ، التائهة في ملكوت أبدع الخالق في صنعة أيما إبداع …
… فحين تعصف بالنفس أنواء العواصف .. وحين ينشب الحزن مخالبه فى القلوب الطيبة .. تتجهم الطباع ، وتضطرب ، باحثة عن منجي لها تستجير به .. ولما كان المساء باسما ، بهيجا ، والسماء صافية الأديم ” وكأنها ليلة القدر في صفائها ورقتها ووداعتها وجمالها ” .. نظرت إلى إشراقة وجهها المضيء ، وأغمضت عيني في لحظة تأمل وخشوع .. وطبعت على ثغرها قبلة حب واشتياق .. داعياً ربي ” جل فى علاه ” : —
( اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا )
… وكأني بصوت عذب محبب إلي قلبي ، يهتف رنينه بداخلي : ( مآ أطيبك .. ومآ أطيب سريرتك ) .. هذا النغم القادم من هناك ، ومن حيث لآ أدري .. رغم حبي الجارف لسماعه .. إلا أنه يشعرني بحزن دفين ، دافيء .. حزن جميل يرقق النفس ، ويسمو بالروح .. إنه .. نغم عذب — حقا — لآ أمل أبداً من سماعه …
… وقلت فى نفسي : أذلك خيال ، أم حلم جميل طالمآ راودني طيفه منذ طفولتي ، أم ذلك همس يهمس به الهامسون الحالمون فى لحظة صفاء روحى .. وماذا لو خيرنا فى الأمر ، من أين نبدأ حياتنا : .. من الشيخوخة أولا — بحكمتها وخبرتها ونضجها وتقواها وزهدها وعزوفها عن الدنيا ، وترفعها عن الدنايا .. ثمّ تليها مرحلة الشباب : مرحلة الكفاح والأحلام والحب والشغف والطموح بعد أن خبرنا حقيقة الحياة ، وأدركنا متي وكيف نضع أقدامنا .. ثم نختمها بمرحلة الطفولة الجميلة بطهرها وبراءتها ونقائها ، وخلوها من الأحقاد والكراهية .. إنه مجرد خيال أو أمنيه قد يتمناها البعض منا ؛؛
… إن الحزن الذي يزرعه فينا الألم ، وتغرسة يد المعاناه ، يدفعنا كثيراً نحو طرق باب الخيال والأحلام في محاوله للتخفيف من قسوة الواقع والتخبط في بيداء الحياة .. بل يقودنا هذا الحزن أيضاً إلي فهم أعمق لطبيعتنا ، وإدراك حقيقة الحياة ، وأنها لا تتوقف عند شيءٌ ، فلآ شيء يدوم في حياتنا سوي إرادة التغيير ..
… إن التأمل ، والتفكر ، والتفكير فيمآ نحبه ، ونؤثره .. يشعرنا بقيمة حياتنا ، حتي ولو كان بيننا وبينه أمدا بعيدا .. إنه يشعرنا بقيمة حياتنا ، مآ دامت لدينا القدرة على تذكره ، والعيش في ظلاله ، وكأنها ذكري ظلال من سكينة هادئة ترفرف فوق رؤوسنا ، وتترقرق لذكرها أدمعنا حنانا لها ورقة .. إنها ذكري عذبة تنساب أنغامها فى الروح لتذكرنا بما قد نسيناه .. ذكري كالصباح الذي لم تلوثه غبار الحياة …
————— وللحديث بقية —————-




