مقالات
أخر الأخبار

في زمن الجشع والغلاء… هل بقي فينا قلب كقلب نبي الله موسى؟

في زمن الجشع والغلاء… هل بقي فينا قلب كقلب نبي الله موسى؟

بقلم: الدكتور سامح فرج حموده-باحث في قضايا الإعلام والمجتمع.

 

في زمنٍ تزداد فيه الأسعار وتضيق فيه الأحوال، لم تعد الشكوى من الغلاء ترفًا، بل باتت صوتًا مشتركًا يخرج من أعماق البيوت، وصرخة من قلوب الناس قبل جيوبهم.

 

صار شراء كيس أرز أو علبة جبن قرارًا يحتاج إلى دراسة، ومقارنة بين الضروريات… والضروريات الأخرى.

وأصبحت ضحكاتنا لا تخلو من المرارة حين نقول:

“زمان كنا بنقلل من الكماليات، دلوقتي بنقلل من الأساسيات!”

 

لكن، في زحام هذا الضيق، هل توقفنا لحظة لنسأل أنفسنا:

هل تغيّرت الأسعار فقط، أم تغيّرت القلوب أيضًا؟

هل الغلاء كشف فقر الجيوب، أم عرّى فقر القلوب؟

 

دعونا نرجع بالذاكرة إلى مشهد إنساني خالد…

في صحراء مدين، لا أسواق هناك ولا عروض تخفيض، ولا بطاقات تموين…

كان هناك رجل غريب، خائف، جائع، بعيد عن أهله ووطنه…

هو نبي الله موسى عليه السلام.

 

رأى فتاتين تحاولان سقي أغنامهما وسط الزحام، ولكنهما تحجّمتا حياءً.

فما تلكأ، ولا سأل عن المقابل، ولا قال: “نفسي أولى”…

بل بادر وسقى لهما، ثم انزوى تحت شجرة، منهك الجسد، مكسور الخاطر،

لكنه نقيّ القلب، رافعًا يديه إلى السماء قائلاً:

“رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ”.

 

وهنا… جاءت الإجابة من السماء.

بيت يأويه، وطمأنينة تسكنه، وزوجة تسانده، وعمل يكرّمه، وسنوات من السكينة بعد رحلة من الخوف والتعب.

كل ذلك… مقابل لحظة شهامة صادقة، وموقف إنساني لا يُنسى.

 

فأين نحن من هذه الروح؟

أين اختفت نخوتنا؟ أين ذهبت شهامة السؤال عن الجار؟

أين ثقافة “اللمة” التي كانت تعوضنا عن ضيق الحال، وتربطنا رغم فقرنا؟

 

في زمن الغلاء، نحن لا نحتاج فقط إلى خفض الأسعار،

بل نحتاج إلى رفع مستوى الرحمة،

نحتاج إلى أن نُعيد إحياء المعاني الجميلة التي كانت تملأ بيوتنا دفئًا رغم قلة ذات اليد.

نحتاج إلى أن نؤمن أن الجنيه الذي في جيبك قد يُفنى،

لكن القلب الذي تشاركه مع الناس… هو الذي يبقى.

 

بدلًا من أن نسأل:

“إزاي أعيش؟”

فلنبدأ نسأل:

“إزاي نعيش كلنا مع بعض؟”

 

▪️ نطبخ بدل ما نشتري أكل جاهز،

▪️ نشتري بطاطس ونقليها بدل كيس شيبس،

▪️ نزرع في البلكونة ولو نعناع،

▪️ نرجّع عادات “نتشارك في العيش” و”سلفني كباية سكر”،

▪️ نعلّم أولادنا إن الكرامة مش في الفلوس، إنما في التراحم، والتكافل، والإحساس بالآخرين.

 

نحتاج أن نُربّي الجيوب على القناعة…

لكن الأهم أن نُربّي القلوب على الاحتواء، والضمير الحي.

 

ملخص ذلك كله:

في زمن نبي الله موسى عليه السلام، لم يكن معه درهم… لكنه كان يحمل قلبًا يفيض إنسانية، ويقينًا بأن الخير لا يُشترى.

أما نحن، فربما معنا المال، لكننا بحاجة إلى قلب… يعيد إلينا إنسانيتنا.

 

فلنُربّي أبناءنا على أن العطاء لا يحتاج غنى، بل شعور.

وأن الرحمة لا تأتي بعد الفرج… بل هي التي تصنع الفرج.

وأننا إن عشنا بروح موسى… عشنا مطمئنين، حتى لو كنا فقراء.

 

نعم، الغلاء قاسٍ.

لكن القسوة الحقيقية… أن نفقد قلوبنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى