
📌فلسفة “الحنجلة” وحقيقة “الصحن العوج”📌
بقلم: د. منى الرفاعي
في الموروث الشعبي المصري لا تولد الأمثال من فراغ بل تخرج من رحم الحياة بعدما تعجنها التجارب وتختبرها القلوب. ومن أصدق ما قيل في كشف النفوس وهتك الأقنعة ذلك المثل الشعبي العبقري:
“ما يتحنجلش ع الطبلية إلا الصحن العوج”
وما أعمقها من جملة
فهي ليست وصفا لحركة صحن فوق مائدة بل تشريح دقيق لأرواح اختل اتزانها ونفوس تحاول إخفاء هشاشتها بالصخب والاستعراض
في الحياة هناك أناس يشبهون “الصحون السليمة”
هادئون رغم امتلائهم
ثابتون رغم العواصف
لا يرفعون أصواتهم ليثبتوا قيمتهم لأن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج
هؤلاء إذا حضروا شعر الجميع بثقل هيبتهم وإذا تحدثوا أنصت المكان وإذا صمتوا كان في صمتهم وقار يكفي ألف خطاب
أما أصحاب النفوس المرتبكة فهم كـ “الصحن العوج”
لا يستقرون على مبدأ
ولا يثبتون أمام حقيقة
يكثرون الحركة والادعاء والضجيج لأن الداخل مهزوز ولأن النقص حين يعجز عن الاكتمال يتحول إلى استعراض
إن “الحنجلة” ليست قوة كما يظن البعض بل إعلان غير مباشر عن خلل داخلي يحاول صاحبه إخفاءه
فالإنسان الواثق لا يتعمد لفت الأنظار ولا يحتاج إلى معارك وهمية ليقنع الناس بمكانته، لأن الثابت لا يخشى الاهتزاز، والممتلئ لا يصرخ ليُثبت أنه موجود.
زمن أصبح فيه الضجيج بديلا عن القيمة وكثرت فيه الوجوه التي تتقن التمثيل أكثر من إتقانها للصدق صار من السهل أن تميز أصحاب “الصحون العوجة”
تعرفهم من مبالغتهم
ومن استعراضهم المستمر
ومن رغبتهم الدائمة في تصدر المشهد حتى ولو بلا مضمون
هم يظنون أن كثرة الحركة تعني الحضور بينما الحقيقة أن الأشياء الثابتة وحدها هي التي تدوم
فالجبال لا تصرخ لتثبت عظمتها والبحار لا تتفاخر بعمقها وكذلك النفوس العظيمة لا تدخل معارك الضجيج لأنها أكبر من أن تثبت نفسها لكل عابر
ولهذا
إذا رأيت من يبالغ في الصخب والترنح والادعاء فلا تنشغل به كثيرا
فالأصوات العالية غالبا تخفي فراغا كبيرا
واشفق على من فقد اتزانه الداخلي حتى صار يبحث عن قيمته في إزعاج الآخرين
وتعلم أنت أن تكون كـ “الصحن السليم”
ثابتا فوق طبلية المبادئ
هادئا رغم الزحام
راسخا مهما اهتزت الدنيا حولك
فالحياة لا تنحني احتراما إلا لأصحاب الاتزان
ولا تخلد إلا من امتلأت قلوبهم باليقين
أولئك الذين يعرفون أن الطمأنينة ليست في ضجيج البشر
بل في السكينة التي يمنحها الله لعباده الواثقين بأن أمورهم كلها… بيد الله✋💥




