الابتلاء رسالة رحمه

بقلم ✍🏻 منى الرفاعى
يظن كثير من الناس أن كل ابتلاء علامة غضب من الله وأن الألم لا يأتي إلا عقوبة لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير فليس كل ما يؤلمنا شرا وليس كل ما يرهق قلوبنا عقابا فالابتلاء في ميزان الإيمان قد يكون رفعة للدرجات وقد يكون تكفيرا للذنوب وقد يكون تنبيها يعيد الإنسان إلى طريقه الصحيح وقد يكون اختبارا لصبر القلب وثباته
ولهذا فالسؤال الحقيقي ليس لماذا ابتلاني الله بل ماذا يريد الله أن يعلمني من هذا الابتلاء؟؟؟
فكم من إنسان غيرت المحنة حياته وكم من قلب عاد إلى الله بعدما ضاقت به الدنيا وكم من روح اكتشفت قوتها في لحظة ظنت فيها أنها انتهت ولو كان الابتلاء غضبا دائما لما ابتلى الله الأنبياء وهم أحب الخلق إليه فقد عاشوا أشد الابتلاءات ومع ذلك كانوا أقرب الناس إلى الله وأرفعهم منزلة
لكن هناك ابتلاءات لا تمر مرور العابرين بل تسكن القلب وتغير الإنسان إلى الأبد ومن أشدها المرض حين يضعف الجسد ويكتشف الإنسان كم كان يظن نفسه قويا وهو في الحقيقة ضعيف لا يملك من أمره شيئا ومن أشدها أيضا أن يفقد الإنسان فلذة كبده ذلك الجزء من قلبه الذي كان يرى فيه الحياة كلها
ففقد الابن ليس مجرد حزن عابر بل زلزال يهز الروح كلها وكأن قطعة من القلب قد اقتلعت وكأن الدنيا فقدت لونها وصوتها ومعناها وفي تلك اللحظة قد يسأل القلب في صمت هل هذا غضب من الله
لكن الإيمان يهمس بحقيقة مختلفة فالله الذي خلق القلب أرحم به من صاحبه وهو أعلم بضعفه وأعلم بدمعته وما كان الله ليبتلي عبدا ليهلكه بل ليمنحه من الأجر والقرب ما لا يبلغه بغير الصبر
فالمرض قد يكون تطهيرا يخفف الله به عن عبده أعباء كثيرة لا يراها الناس وفقد الأبناء ابتلاء عظيم لكنه عند الله باب رحمة واسعة فقد وعد الله الصابرين أجرا عظيما ووعد من صبر على فقد ولده بلقاء يجمعه به في رحمة لا فراق بعدها
نحن بشر نحزن ونبكي ونتألم وهذا ليس ضعفا بل طبيعة القلب لكن الفرق بين اليأس والإيمان أن المؤمن رغم حزنه يعرف أن الله لا يختار له إلا ما فيه حكمة حتى وإن عجز العقل عن فهمها
فبعض الابتلاءات لا تأتي لتكسر الإنسان بل لتصنع منه قلبا أعمق وأقرب إلى الله قلبا يعرف قيمة الدعاء ويعرف معنى الصبر ويؤمن أن الرحمة الإلهية أوسع من كل ألم وربما لا نفهم الحكمة الآن لكن يوما ما سيدرك القلب أن وراء كل ابتلاء باب نور وأن الله حين ابتلى لم يكن قاسيا بل كان رحيما يصنع من الألم طريقا يقود إلى رحمته




