
لحظات عابرة ترسم ملامحنا
بقلم دكتورة نورهان موسى هناك لحظات صغيرة في حياتنا لا ندرك وقتها أنها ستترك أثرًا طويلًا في طريقة فهمنا للعالم. لحظات تبدو عابرة، لكنها في الحقيقة تزرع داخلنا إحساسًا دائمًا بالمسؤولية تجاه ما يجري حولنا.
كنت طالبة في الجامعة عندما اندلعت ثورة 25 يناير عام 2011. وبعدها ثورة ٣٠ يونيو كنا جيلًا في عمر التاسعة عشرة تقريبًا، نعيش لحظة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الشوارع تموج بالأحداث، والنقاشات السياسية لم تعد حكرًا على النخب أو المتخصصين، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لكل طالب في الجامعة وكل شاب في الشارع.
في تلك الفترة كانت لدي صديقة تدرس في إحدى الكليات العلمية. لم تكن مهتمة بالسياسة إطلاقًا، وكانت ترى أنها عالم معقد لا ترغب في الخوض في تفاصيله. ومع ذلك كانت تعتمد عليّ بشكل كامل لمعرفة ما يحدث. كانت تقول لي ببساطة: “قولي لي إيه اللي بيحصل”.
كنت بالنسبة لها نافذتها الصغيرة على السياسة. كانت تنتظر مني أن ألخص لها ما يجري في الشارع، وما تقوله القوى السياسية، وإلى أين تتجه الأمور. لم أكن يومها محللة سياسية، بل فتاة في التاسعة عشرة تحاول أن تفهم ما يحدث حولها ثم تنقله للآخرين بأبسط صورة ممكنة.
لكن تلك الثقة البسيطة تركت أثرًا عميقًا في داخلي. دون أن أدرك، نشأ لدي شعور دائم بالمسؤولية. شعور بأن عليّ أن أفهم ما يحدث حولي، وأن أكون قادرة على تفسيره لمن يسأل.
ربما لا تعرف صديقتي إلى اليوم أن هذا الإحساس ظل يرافقني لسنوات طويلة. حتى في اللحظات التي أشعر فيها بإرهاق شديد من متابعة الأخبار، أو حين لا أطيق فتح القنوات الإخبارية أو قراءة المقالات السياسية، يبقى داخلي التزام غير معلن: أن أعرف ما يحدث في العالم، وأن أكون قادرة على شرحه للآخرين.
هذا الشعور هو ما يدفعني اليوم لمحاولة فهم المشهد المعقد الذي تعيشه منطقتنا. فما يحدث في الشرق الأوسط لم يعد مجرد سلسلة من الأحداث المتفرقة، بل أصبح تعبيرًا عن مرحلة إعادة تشكيل واسعة لموازين القوى الإقليمية.
في قلب هذا المشهد تقف المواجهة المستمرة بين إيران وإسرائيل، وهي مواجهة تتجاوز كونها صراعًا تقليديًا بين دولتين. فإيران تسعى منذ سنوات إلى توسيع نفوذها الإقليمي عبر شبكة من التحالفات السياسية والعسكرية في عدد من مناطق الشرق الأوسط، بينما ترى إسرائيل في هذا التمدد تهديدًا مباشرًا لأمنها الاستراتيجي.
التطور الأكثر حساسية في هذا الصراع يتمثل في انتقال المواجهة تدريجيًا من الحروب غير المباشرة إلى احتمالات المواجهة المباشرة. فالهجمات الصاروخية أو عبر الطائرات المسيّرة التي تُنسب إلى إيران تمثل تحولًا مهمًا في قواعد الاشتباك التي حكمت العلاقة بين الطرفين لسنوات طويلة.
خطورة هذه الضربات لا تقاس فقط بحجم الأضرار العسكرية التي قد تحدثها، بل بتأثيرها الاستراتيجي. فمجرد وصول الصواريخ أو المسيّرات إلى العمق الإسرائيلي—إذا تم اعتراض معظمها—يعني أن مستوى الردع المتبادل في المنطقة يتغير تدريجيًا، وأن احتمالات التصعيد تبقى قائمة في أي لحظة.
ويزداد المشهد تعقيدًا عندما يُطرح سؤال يتعلق بمستقبل القيادة داخل إيران نفسها. فغياب المرشد الأعلى علي خامنئي لأي سبب—سواء لأسباب طبيعية أو نتيجة اغتيال—قد يفتح مرحلة انتقالية حساسة داخل النظام الإيراني. فموقع المرشد الأعلى لا يمثل مجرد منصب سياسي، بل يشكل مركز التوازن بين المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية في الدولة.
أي تغير مفاجئ في هذا الموقع قد يؤدي إلى إعادة ترتيب مراكز القوة داخل إيران، وهو ما قد ينعكس مباشرة على سياستها الخارجية. ففي بعض الحالات تلجأ الأنظمة السياسية خلال فترات الانتقال الداخلي إلى تشديد خطابها الخارجي لتعزيز التماسك الداخلي، بينما قد تسعى في حالات أخرى إلى تخفيف التوترات الإقليمية لتجنب الضغوط الخارجية.
وسط هذه المعادلة المعقدة تقف دول الخليج العربي في موقع شديد الحساسية. فهي تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة في المنطقة ستنعكس مباشرة على أمنها الاقتصادي والاستراتيجي، خصوصًا في ظل الدور الحيوي الذي تلعبه المنطقة في سوق الطاقة العالمي.
وفي الوقت نفسه تنظر العديد من دول الخليج بقلق إلى تنامي النفوذ الإيراني في عدد من الساحات الإقليمية، وهو ما يدفعها إلى محاولة بناء توازن دقيق بين تجنب التصعيد العسكري والحفاظ على منظومة ردع سياسية وأمنية تحمي مصالحها الاستراتيجية.
لهذا يبدو موقف دول الخليج في كثير من الأحيان موقفًا حذرًا ومركبًا: السعي إلى خفض التوترات الإقليمية قدر الإمكان، مع العمل في الوقت ذاته على تعزيز قدراتها الدفاعية وتحالفاتها الدولية.
في النهاية، فإن ما يجري في الشرق الأوسط اليوم لا يمكن فهمه باعتباره مجرد صراع بين دولتين أو حتى بين محورين سياسيين. نحن أمام شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والتحولات الدولية التي تعيد رسم ملامح المنطقة تدريجيًا.
وربما لهذا السبب بالذات أعود دائمًا لمحاولة الفهم والتفسير. ليس لأن السياسة سهلة، بل لأنها تؤثر في حياة الجميع، حتى أولئك الذين يفضلون الابتعاد عنها.
وربما أيضًا لأن تلك الفتاة التي كانت في التاسعة عشرة، والتي وثقت بها صديقتها يومًا لتلخص لها ما يحدث في العالم، ما زالت تشعر أن عليها أن تحاول🌷
#شخابيط_نورهان_موسى




