مقالات
أخر الأخبار

انعدام الثقة… حين تنكسر المرآة في أعماق الروح

انعدام الثقة… حين تنكسر المرآة في أعماق الروح

بقلم: مستشار محمود السنكري

 

الثقة… كلمة صغيرة في حروفها هائلة في معناها هي جسرٌ شفاف بين قلبين أو وعدٌ غير مكتوب بين روحين وحين تنكسر لا يُسمع صوتها كما تنكسر الزجاجة بل يُسمع في أعماقنا ارتطام الصمت وانطفاء الأمان.

 

كيف أشرح شعوراً يشبه الجدار بيني وبين العالم؟ إنه ليس قسوة ولا كبرياء بل انعدام الثقة ذلك الإحساس الذي يتسلّل مثل ظلّ ثقيل يسبق خطواتي ويراقب كلماتي ويهمس في داخلي “لا تقترب… قد يطعنونك من جديد.”

 

إنه جرح في نسيج العلاقات الإنسانية أشبه بشقّ في جدار بيتٍ عتيق لا يُرى بوضوح من الخارج لكنه مع الوقت يهدّ أركان البنيان ، يبدأ بذرّة شكّ ثم يتضخّم حتى يصبح جداراً من العزلة يحول بينك وبين الآخرين وأحياناً بينك وبين نفسك.

 

كنت يوماً أفتح الأبواب على مصراعيها ، أمدّ يدي لكل عابر وأستودع قلبي عند أول بادرة صدق ، لكن الخذلان حين جاء لم يسرق ثقتي في الآخرين فحسب بل سرق يقيني بنفسي وجعلني غريباً حتى عن روحي.

 

انعدام الثقة لا يعني أنني لا أرى الطيبين بل يعني أنني أراهم وأخشى أن يكونوا قناعاً ، أنظر إلى الوعود وأسمع فيها صدى الأكاذيب القديمة وأتلمّس الكلمات بحذر كمن يلمس جرحاً لم يلتئم بعد ، يصبح الحوار مراقبة والابتسامة حذراً والعطاء مشروطاً ، كأنّ من ذاق ألم الغدر يعيش بعد ذلك في عالم زجاجي يرى الناس من خلاله لكن لا يفتح لهم الباب.

 

ومع ذلك لا بد من الاعتراف أن انعدام الثقة ليس دائماً ضعفاً فقد يكون في لحظةٍ ما درعاً يحميك من طعنات متكرّرة ، لكن الخطر يكمن حين يتحوّل هذا الدرع إلى قيد فيعزلك عن دفء العالم ويمنعك من عيش الحياة بصدقها وعفويتها.

 

الثقة لا تُشترى ولا تُفرض بالقوة ، هي تنبت في تربة الصراحة وتُروى بالوفاء وتزهر بالصبر وإن كان انعدامها قد دمّر جسراً بينك وبين الآخرين فبناؤه من جديد يتطلّب وقتاً وأيدٍ مخلصة تعرف قيمة الطمأنينة التي تضيع عندما يغادر اليقين.

 

ربما سيأتي يوم ألتقي فيه بوجهٍ صادق وصوتٍ يشبه الأمان وعينين لا تعرفان الخيانة ، حينها سأمدّ يدي من جديد وأعبر النهر حتى لو كان في قلبي أثر الجراح القديمة… لأن الإنسان مهما تألم يظل يبحث عن حضن يثق أن الليل فيه آمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى