حين احترق الصمت: كيف أدار الإعلام المصري حريق سنترال رمسيس؟

بقلم: د. سامح فرج حموده – باحث في قضايا الإعلام والمجتمع
لم تكن النيران التي اشتعلت في “سنترال رمسيس” مجرد حريق تقني في إحدى المنشآت الحيوية بوسط العاصمة، بل كانت كاشفًا حقيقيًّا لطبيعة تعاطي الإعلام المصري مع الأزمات المفاجئة بين التعتيم المربك والتهوين المفرط، ضاعت الحقيقة، وتُرك المواطن وحيدًا بين لقطات البث الحي على وسائل التواصل الاجتماعي، والتصريحات المتأخرة من مسؤولي الإعلام التقليدي.
المشهد الأول: الإنكار أولًا.
مع تصاعد الأدخنة من مبنى السنترال، لم يكن الإعلام الرسمي حاضرًا بالمعلومة، بل كانت ردود الأفعال أشبه بحالة إنكار جماعي، تبدأ بـ: “لا توجد حريق”، مرورًا بـ”الموقف تحت السيطرة”، وانتهاءً بـ”لا داعي للقلق”. والكارثة أن هذا الإنكار تزامن مع بث حيّ عبر عشرات الحسابات والمواطنين، الذين لم يجدوا أمامهم سوى كاميرات هواتفهم لينقلوا الواقع كما هو، دون فلترة أو رقابة.
المشهد الثاني: حين حضر الإعلام بعد فوات الأوان.
عندما بدأ السوشيال ميديا يفرض روايته، وعندما انتشرت مقاطع الحريق في كل مكان، اضطرت الجهات الرسمية إلى التدخل. فجاء التصريح المقتضب: “الحريق محدود، وتمت السيطرة عليه”، دون إرفاق صور حقيقية أو لقطات حية أو شهادات ميدانية، بدا وكأن الإعلام يقول للمواطن: “انسَ ما رأيته، وصدق ما نُخبرك به”. وهذا بالضبط ما قتل الثقة.
غياب المبادرة.. وتمكين الشائعات.
لو أن الإعلام الرسمي بادر منذ اللحظة الأولى بخبر صغير يُقر بوقوع الحادثة، ويعد بموافاتنا بالتفاصيل لاحقًا، لكان قد قطع الطريق على موجات التهويل، وحمى الرأي العام من تضارب المعلومات، إلا أن غيابه فتح المجال أمام العشوائية في التغطية، بل وأتاح الفرصة للمغرضين لتوظيف الحدث سياسيًا أو مجتمعيًا.
إعلام مقيّد أم إرادة غائبة؟
من غير المنطقي أن يستمر الإعلام الرسمي في تجاهل حقيقة أن كل مواطن اليوم يملك كاميرا ومنصة نشر، ولم يعد بإمكان أحد إخفاء الحوادث أو احتكار التفسير، الإعلام الذي يُبطئ عند كل أزمة، ويخشى المبادرة، سيظل خاسرًا في معركة المصداقية.
الخاتمة: أزمة إعلام أم أزمة ثقة؟
لقد قتلت هذه الواقعة مجددًا ما تبقى من مصداقية الإعلام الرسمي في عيون كثير من المواطنين، وما لم تدرك المؤسسات الإعلامية أن الشفافية وسرعة الاستجابة واحترام وعي الجمهور هي الأسس الأولى لبناء الثقة، فإن كل “حريق” مقبل سيكون أكثر من مجرد ألسنة لهب؛ سيكون شرارة جديدة تشعل الانفصال بين الجمهور ومن يفترض أنهم ينقلون له الحقيقة.




