حين يصبح الأطفال ذئابًا… من قتل البراءة في شوارعنا؟

بقلم: د. سامح فرج حموده-باحث في قضايا الإعلام والمجتمع.
في واقعة صادمة تجردت فيها الطفولة من أنفاسها البريئة، وأُزهقت فيها روح فتاة صغيرة على يد طفلين لم يعرفا بعد طريق المراهقة، استيقظت الفيوم على جريمة اغتصاب وقتل تقشعر لها الأبدان، لم تكن الجريمة حدثًا عابرًا بقدر ما كانت جرس إنذار مدوٍ لانهيار منظومة القيم، وسقوط جيل كامل في فخ الإهمال الأسري والتوحش المجتمعي.
الجريمة مركبة… لكن الجاني ليس فقط الطفل.
نعم، الجريمة بشعة، والمتهمان ارتكبا فعلًا شنيعًا لا يقبله عقل أو قلب، لكن هل هما وحدهما الجناة؟ أين الأهل؟ أين التربية؟ من علّمهما أن الطفولة يمكن أن تتلون بهذا السواد؟ من سمح لهما بامتلاك أدوات الشر دون وعي أو ضمير؟ الجريمة بدأت حين قررت أسرة ما أن تربي أبناءها بالتجاهل، وسمحت للإنترنت والإعلام أن يتسللا إلى وعيهم دون رقابة.
الإنترنت… “المُربي” الأول في غياب الآباء.
نمنح أطفالنا هواتف ذكية وهم ما زالوا في عمر الحليب، ونسمح لهم باجتياح عوالم لا يميزون فيها بين الخير والشر، ثم نبكي على ما آلوا إليه. كيف لطفل أن يتربى على مقاطع عنف وإباحية وبلطجة، ثم نطالبه بعد ذلك بأن يكون خلوقًا مستقيمًا؟ لقد أصبح الإنترنت أخطر أداة لتدمير الطفولة، حين يُترك بلا رقيب.
الإعلام… حين يُنتج “الترند” رموزًا للفوضى.
من يروج للنجومية الزائفة؟ من يُصدر لأبنائنا قدوات تتفاخر بالإسفاف والانحطاط؟ إعلام لا يعرف حدودًا ولا مسؤولية، بل يلهث خلف “اللايك” و”المشاهدة”، حتى لو كان الثمن هو هدم ما تبقى من أخلاق هذا الجيل. لقد اختفى صوت القيم من الشاشات، واحتل مكانه صخب “التريند”.
الأسرة… حين تتحول إلى غائب لا يُسأل.
في زمن الركض وراء المال، غاب الآباء عن تربية الأبناء. لم تعد الأسرة حضنًا دافئًا، بل تحولت إلى فندق للإقامة وتوفير النفقات. الأب غارق في العمل، والأم تائهة بين مواقع التواصل والضغوط، والطفل يُربى وحده في فوضى لا ترحم.
الظاهرة تتكرر… والمجتمع لا يتعظ.
هذه الجريمة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فما نشهده من عنفٍ لفظي وسلوكي من الأطفال في الشوارع، وما نراه من تدهور في احترام الكبير، وغياب كامل للتهذيب، ليس إلا امتدادًا طبيعيًا لهذا الانفلات، أطفال يرمون الحجارة على القطارات، وآخرون يتباهون بإيذاء زملائهم، وألفاظ تخجل منها الألسن تخرج من أفواه صغيرة.
الملخص:
إذا أردت أن تُنقذ المجتمع، فابدأ من البيت، علّم طفلك قبل أن يتعلم من الإنترنت راقبه قبل أن يراقبه الشارع ، قدّم له قدوة قبل أن يصنعها من “البلوجر” و”اليوتيوبر”،
ليس كل الأطفال مجرمين، لكن كل مجرم كان يومًا طفلًا، وكان يمكن إنقاذه.




