مقالات
أخر الأخبار

**قطار العمر **

** قطار العمر :

———————

بقلم الكاتب : عبد العزيز الطباخ

—————– ———————–

… ومع إقتراب عام جديد .. لآ ندري هل نبتهج لقدوم عام جديد ، أم نحزن لرحيل عام مضى من عمرنا .. إنها مفارقات الحياة المضحكة ، المبكية .. ففي حياتنا أشياء أسعدتنا .. وهناك أشياء آلمتنا ، وأحزنتنا ، وأبكتنا .. وهناك أحلام تحقق القليل منها ، وأخري توارت خلف ظلال السنين .. وأخري تأخرت كثيراً .. ولكن قدر لنا أن نراها ، بعدما تواري بريق العمر ، وأصبح يتساوي قدومها ، ورواحها …

 

… ورأينا الغدر وعايشناه ، فتعلمنا معني الوفاء .. ورأينا الهزيمة ، وذقنا مرار الإنكسار ، فعرفنا طعم النجاح ، وشموخ العزة ، وشرف الكبرياء والكرامة .. ورأينا الكره ، والضغينة فى عيون البعض .. فعرفنا قيمة الحب ، وسموه ، وروعته …

 

… وعرفنا أناس كم تمنينا أن لم نلتقي بهم ، أو نراهم فى حياتنا .. ووددنا أن ننساهم ، ونمحوهم من كتاب حياتنا ، لأن مكانهم الطبيعي فوق أرفف النسيان .. وعرفنا أناس وإن كانوا قليلين ، ولكنهم كانوا أجمل ما رأينا ، وأجمل من عايشنا .. فكانوا كالنسمة الرقيقة فى ليالي الصيف .. وهم مكانهم فى القلب …

 

… وهكذا هي حياتنا .. تجمع بين المتناقضات .. مزيج من الحزن والفرح .. والراحة والمعاناة .. والأبيض والأسود .. والحياة والموت .. ويمضي بنا العمر يوم لك ويوم عليك …

 

… ويركض بنا قطار العمر .. دون تعب أو ملل .. لا يهدأ ولا يبالي بأدمعنا وشكاوانا ، وما يدور بين حنايانا .. وكلما أوغل فى المسير توارى بعضاً من بريق شبابنا .. ثم لآ يلبث أن يخبو ، ويزوى كما تزبل الأزهار …

 

… وفى غمار رحلتنا .. سنعبر الكثير من محطاته .. فهناك محطات للفرح ، ومحطات للحزن .. و هناك محطات للأحلام ليتها تطول ، ومحطات للذكريات خطرت لنا فى سماء العمر ، وما أجملها من خطرات ، فلها تخفق قلوبنا ، وإليها تحن أرواحنا …

 

… ونمضي فى دروب الحياة رغم الصعاب والمشاق .. نعانق الأمل المشرق ، ونلثم وجه الحلم الجميل .. نرى الحب ، وتخفق له قلوبنا طربا ، ثمّ نودعه حزناً عليه فى محطة أخرى .. ونرى البغض ، وترجف منه أفئدتنا فزعا .. ونرى الأحبة ، ونهفو إليهم وذراعينا مشرعة لاحتضانهم ، ونفتح لهم نوافذ حبنا .. ونرى مشهد الوداع ، فتحزن له قلوبنا ، وتدمع عيوننا ، ولا يتبقى لنا من وداع الأحبة سوى ما تردد على لسان الشاعر : —

 

( إنقضت تلك السنين وأهلها .. فكأنها وكأنهم أحلام )

 

… ويمضى بنا قطار العمر .. ينتزع منا زهرة شبابنا ، وربيع عمرنا ، مارا بصيفه المثقل حتي يقترب بنا من خريف العمر ، وأشجاره اليابسة ، وأوراقه الجافة ، فتضطرب له قلوبنا وترجف .. وكأننا .. في أخريات العمر نتمنى أن نترك عملا عظيماً نخلد بذكره في خلد الآخرين ، ونترك ذكرى طيبة فى قلوبهم ، ننال بها دعواتهم ورحماتهم …

 

… فى بداية حياتنا .. نظن أننا نحن من نخدع الحياة ، ونفرض عليها شروطنا .. ولكننا فى النهاية نتيقن بأننا نحن المخدوعين .. نتمنى مرور الأيام والسنين لتحقيق ما نصبو إليه من آمال وأحلام .. ونسينا في غمار الحياة أن ما يمضى ويتوارى هو قطعة من العمر تعز على قلوبنا …

 

… ولو أننا أدركنا الحقيقة منذ البداية لما تمني أحد منا مرور السنين .. فالمريض يتألم ، ويتجرع مرارة الدواء أملا في الشفاء ، متمنياً مرور السنين والأيام جرعة واحدة ، لكى يستريح من شراسة المرض وقسوته .. والسجين يتمني التحرر من قيود سجنه ، لكى ينعم بالحرية ، ثم يتمني بعد ذلك أن تترفق به السنين ، لينعم بما تبقى له من عمر .. والغني يتمني أن يطول به العمر لينعم بما لديه من ثراء .. أما الفقير ، فيستوى عنده هذا أو ذاك .. والمسافر يتمني أن تطوى السنين لكى يعود إلى أوطانه ، ثم يتمني بعد ذلك أن يمتد به العمر .. والطفلة الجميلة ، تتمني في طفولتها أن يسرع بها قطار العمر لكى تكبر ، وتتفجر الأنوثة ، ويترعرع الجمال بين وجنتيها ، وهى لا تدرى أنها تعيش أجمل سنوات عمرها ، فى طفولتها .. وعندما يتحقق لها ذلك ، تتمني أن يبطيء بها القطار حتى لا تصيبها تجاعيد الزمن ، ويخبو بريق جمالها ..

 

… وما زال القطار يمضى بنا دون هوادة ، كهارب ، مطارد في صحراء قاحلة .. إنه الوحش بعينه .. لا يرحم ، ولا يرفق بأحد .. نظن فى البداية أننا ركبناه بإختيارنا ، وبالتالي فهو يخضع لإرادتنا .. ولكن ذلك يكون في مقتبل العمر ، ونحن في مرحلة الشباب والقوة .. ولكن عندما يمر بنا العمر ، وتوغل الأيام ، وتنهش حشاشات عمرنا ، ويزبل الأمل ، وتتواري الأحلام خجلا ، ويخبو بريق العمر .. نتمني أن يتمهل بنا القطار .. ولكنه لا يستجيب .. بل يطلق صرخته المدوية ، ضاحكاً منا .. ثم يقول باستهانة وسخرية : لقد ركبتم القطار راغبين ، ودفعتم ثمن التذكرة ، ولا سبيل للرجوع أو التوقف .. إنه الغول بعينه …

 

… وهكذا .. يمضي بنا العمر .. تحت ظلال وهم خادع ، براق .. إنها رحلتنا مع الحياة .. جئنا إلى الدنيا غير مخيرين ، وسنرحل عنها أيضا طائعينً .. وهناك بعيدا .. وعلي حصباء الطريق الطويل المخضل بالسراب ، تسير أقدامنا بخطي وئيدة نحو مجهول لآ ندري عنه شيئاً ، بل نساق إليه سوقاً .. وفي غمرة الصمت والظلال نستسلم للرقاد الطويل …

 

… تلك هى رحلتنا مع الحياة .. رحلة الألم ، والشجن ، والدموع …

 

———————————————————–

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى