غير مصنف

الغيرة المزمومة

بقلم الدكتور القاسم محمد جعفر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد
من الأمراض الخطيرة التي انتشرت في عصرنا الحاضر غيرة الأخ من أخيه وهذه ظاهرة نفسية اجتماعية شائعة تبدأ من الطفولة وتتطور نتيجة المقارنات، التمييز في المعاملة، أو التنافس على محبة الوالدين، مما قد يولد حقداً إذا لم يتم احتواؤها بالتربية السوية والتواصل الواعي. يُنصح بتعزيز ثقة كل طفل بنفسه، وتجنب المقارنة، وتشجيع التعاون بدلاً من التنافس لتقليل الآثار السلبية لهذه الغيرة.
وحينما نتأمل نجد أن من أسباب غيرة الأخ من أخيه
المقارنة المستمرة: عندما يقارن الوالدان أو المحيطون بين الأخوين (أنت فاشل مثل أخيك، انظر إلى ذكاء أخيك)، مما يخلق شعوراً بالنقص.
التمييز في المعاملة: تفضيل أحد الأبناء على الآخر في الحب أو العطاء أو الاهتمام.
التنافس على الموارد: قد تكون على الاهتمام، المحبة، أو حتى الميراث (كما هو الحال في بعض القضايا الاجتماعية والظلم في الميراث).
الشعور بالتهديد: قد يشعر الأخ الأكبر بتهديد مكانته عند ولادة أخ جديد، أو يشعر الأخ الأصغر بالظلم من تحكمات الأكبر.
ونجد أن من الآثار السلبية للغيرة
إذا لم يتم التعامل مع الغيرة بشكل تربوي سليم، فإنها تتحول إلى حقد وكراهية، قد تؤدي إلى:
انقطاع صلة الرحم.
نشوب خلافات دائمة بين العائلات.
الشعور بعدم الأمان النفسي والتوتر الدائم.
وحينما نتأمل قصة قابيل وهابيل نجد أنه ما الذي دفع قابيل علي قتل أخيه هابيل إلا حقده علي أخيه حينما تقبل الله منه قربانه الذي أراد به وجه الله تعالى وجنته ورضاه ولقد صور لنا القرآن الكريم ذلك قال تعالى ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ )

ونجد ما الذي دفع إخوة يوسف عليه السلام فيما فعلوه في يوسف إلا غيرتهم من يوسف وحقدهم عليه ومحبة أبيه له ووصفوا محبة أبيهم له بالضلال والخطأ الواضح. قادهم هذا الحسد إلى التخطيط للتخلص من يوسف بالقتل أو الإلقاء في أرض بعيدة ،ولقد بين القرآن الكريم لنا ذلك
قال تعالى (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌإِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) أي أن إخوة يوسف قال بعضهم لبعض متناجين: والله ليوسف وأخوه (بنيامين) أحب إلى أبينا يعقوب منا، مع كثرتنا ومحبتنا له.
(وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) “العصبة” الجماعة من الرجال، أي نحن عشرة رجال أقوياء، نصلح لأعمالك وخدمتك، ومع ذلك يُفضّل الأخَوَيْنِ علينا في المحبة والشفقة.
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾: هذا اتهام من الإخوة لأبيهم (النبي) بالخطأ الواضح، حيث ذهب عن وجه التدبير الصحيح في تفضيل يوسف وأخيه، وليس المقصود ضلال الدين، بل الخطأ في تدبير أمور الدنيا وإيثار بعض الأبناء على بعض.
وانظر كيف عمى الحسد قلوب الإخوة، فجعلهم يتهمون أبيهم بالخطأ في المحبة، ويدفعهم للتآمر على أخيهم يوسف.
وفي العصر الحديث نجد روايات متعددة في هذا الموضوع الخطير وكل قصة لها أطرافها فمثلاً في القرن الماضي كان هناك سبعة من الذكور وخمسة من الإناث قام والدهم بواجبه تجاه الجميع من أبناءه ولكنه كان يحب أحدهم أكثر وهذه المحبة طبيعية لا دخل لأحد من البشر فيها لأنها بيد الله تعالى وحده وهنا بدأت القصة مع الولد الأكبر في السن وغيرته من أخيه الأصغر لمحبة أبيه له لأنه خليفته في كل شىء فأراد الأخ الأكبر تقليد الأصغر لكنه لا يستطيع وذلك لسوء الفهم والحقد والحسد الذي لم يستطع إخفائه تجاه إخوته الصغار وكما قال بعض العلماء لا يخلوا جسد من حسد لكن الكريم يخفيه واللئيم يظهره ويبديه ، وبالفعل أظهر هذا الأخ حقده وحسده علي إخوته ويتحدث عنهم بأسلوب لا يليق وظهر عليه المرض النفسي حتي أن كثيراً من أصدقائه يقولون لماذا يفعل هذا الأخ تجاه إخوته هذا ، إنه أمر غير طبيعي ، ويظهر للناس أنه مستقيم وأنه يخاف الله وفي الحقيقة أفعاله تظهر حقيقة ما يخفيه من نواي غير حسنه ، ووالده كان من أهل الله تعالى وكأنه يعلم ما سبحدث فجعله منفصلاً عن إخوته الصغار ولكنه مع كل ذلك لا يريد أن يتركهم في أمن وآمان، ونفسه وطبيعته غير السوية توسوس له كثيراً حتي أن هذا الأمر أثر على أبناءه بالسلبية وشربوا منه الطباع غير المرضية،،
ورحم الله القائل حين قال ،،
وينشأ ناشئ الفتيان منا علي ما كان عوده أبوه،
أخي القارئ الكريم كيف نعالج هذا المرض الخطير أقول ،
يمكن للوالدين والأسرة الحد من هذه الغيرة عبر:
المساواة في التعامل: إظهار الحب والاهتمام لكل طفل بشكل منفرد.
تجنب المقارنة: تقبل كل أخ بما لديه من مميزات وعيوب.
تعزيز الثقة بالنفس: إبراز نقاط قوة كل شخص.
الحوار والتفاهم: تشجيع الأخوة على الحديث عن مشاعرهم وحل النزاعات بالحوار.
واعلموا أحبتي في الله بأن الأخوة هبة لا تُقدّر بثمن، فهم الجبل الذي نستند إليه في الشدائد، ولكن في بعض الأحيان، تتسلل مشاعر غريبة لتفسد هذه العلاقة المقدسة، وهي “الغيرة”. غيرة الأخ من أخيه ليست مجرد تصرف عابر، بل هي شعور معقد ينمو من الطفولة وقد يستمر للكبر، مسبباً فجوة كبيرة إذا لم يتم التعامل معه بحكمة.
وخلاصة ما تقدم يتبين أن الغيرة مشاعر طبيعية، ولكن استمرارها وتطورها لحقد هو أمر خطير. الأخوة هم السند الحقيقي في هذه الدنيا {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ}، والحفاظ عليهم يتطلب وعياً وتربية صحيحة فحافظوا علي الإخوة ومن وجد في نفسه غيرة من أخيه عالج نفسك وازجرها وأتق الله تعالى علي الحقيقة ظاهراً وباطناً ودعك من المكر والخداع وأعلم بأن رب العالمين مطلع عليك ويراك وأنك ستترك الدنيا وستقف أمام ملك الملوك جل جلاله وسيحاسبك علي كل شىء هذا والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى