
د.منى الرفاعى
وسط صالة رياضية مكتظة بالأمل والتحدي، وقف يوسف_أحمد، الفتى الذي لم يعرف الخوف يومًا، في حلبة الكاراتيه، يواجه خصمه في بطولة_الجمهورية تحت 17 سنة. كانت عيناه تحملان بريق الطموح، وصوته يملأ المكان بحماسة لا تهدأ، لكن لم يكن يعلم أن هذه المباراة ستكون الأخيرة في حياته.
الضربة_القاضية لم تكن ضمن القواعد، لكنها جاءت من حيث لا يحتسب. لكمة قوية في الجانب الأيسر من صدره، فتوقف القلب، وسقط يوسف أرضًا وسط صرخات زملائه وذهول الحضور. مرت الثواني ثقيلة كأنها الدهر، لكن لا إسعاف، لا أطباء، ولا يد تمتد لتنتشله من بين براثن الموت.
انتظر الجميع المعجزة، لكنها لم تأتِ سريعًا. بعد 20دقيقة كاملة، وصل يوسف إلى المستشفى، لكن عقله كان قد بدأ رحلته في الغياب، إذ حُرم من الأكسجين كل هذه المدة. دخل في #غيبوبة، وأصبحت أيامه مجرد سباق خاسر مع الوقت.
40_يومًا قضاها يوسف بين الحياة والموت، يواجه معركة أقسى من أي نزال خاضه في الحلبة. ميكروبات، #جلطات، فشل في #الكلى، وطبيب يقف بجانب سريره لا يملك سوى الصمت. كان الجميع ينتظر معجزة، لكن القدر قرر أن يكون أقسى.
في الساعات الأولى من الجمعة_21_مارس، رحل يوسف. لم يسقط على الحلبة هذه المرة، بل سقط في أيدي الإهمال، سقط بين فجوة القانون والتقصير، سقط وهو يحلم بالمجد، لكنه حصل على كفن بدلًا من الميدالية.
في السويس، اجتمع الجميع في جنازته، كانت الدموع تنساب على الوجوه، لكن أكثرها وجعًا دموع والده، الذي لم يكف عن السؤال:
“كيف تركوه 20 دقيقة دون مساعدة؟ لماذا لم يكن هناك إسعاف؟ لماذا يُترك لاعبونا لمواجهة الموت وحدهم؟”
يوسف_أحمد لم يكن مجرد بطل رياضي، كان حلمًا ضاع وسط إهمال لا يغتفر. مات الجسد، لكن بقي السؤال يطرق القلوب بعنف:
“كم يوسف آخر سنفقد قبل أن نتعلم الدرس؟”




