تحت الملاءة البيضاء كانت جثة درية شفيق!

فهيم سيداروس
فوجئت السلطات المصرية يوم الأربعاء ٦ فبراير سنة ١٩٥٧ بسيدة تدعى درية شفيق تدخل دار السفارة الهندية بالقاهرة، وتعلن اعتصامها في السفارة وإضرابها عن الطعام حتى الموت، فلماذا فعلت ذلك؟ وكيف تعامل معها نظام عبدالناصر وقتها؟
في البيان الذي سلمته لوكالات الأنباء الأجنبية قالت د. درية شفيق:
كإنسانة عربية ومصرية أطالب السلطات الدولية العمل على انسحاب القوات الإسرائيلية فورا من الأراضي المصرية، والوصول إلى حل عادل ونهائي لمشكلة اللاجئين العرب وأطلب من السلطات المصرية رد الحرية التامة للمصريين جميعاً ، بإنهاء الحكم الديكتاتوري الذي يسير ببلادنا إلى الإفلاس والفوضى ..
وتدخل الرئيس الهندي نهرو وأرسل إلى الرئيس جمال عبدالناصر يطلب إليه أن يسمح بخروج درية شفيق حرة من السفارة الهندية وعودتها إلى بيتها بغير القبض عليها. ووافق عبدالناصر على تحديد إقامتها في شقتها بالزمالك، وخرج السفير معها في سيارته إلى أن أوصلها إلى بيتها .
ثم بدأت المصائب..
حاصرت الشرطة مكتب زوجها الدكتور نور الدين رجائي المحامي، فكانت تقبض على كل زبون من زبائن المكتب وتهدد كل من يريد أن يوكل المحامي المشهور ليترافع له في قضية.
وأعلنت الدولة الحرب عليه تطارده وتراقب تليفونه، وتفتح خطاباته، وتمنعه من السفر إذا أراد أن يسافر ليدافع عن موكله في دولة عربية، وفي سنة ١٩٦٧ اعتقل لمدة تسعة شهور بتهمة ملفقة، بلا ذنب إلا أنه زوج الزعيمة الثاثرة!
وتم الاتفاق ودياً بين الزوجين على الانفصال حتى يتجنب الزوج تلك المضايقات والاعتقال.
وذهلت درية في وحدتها، أنصارها تخلوا عنها رعبا، صديقاتها انقطعن عن زيارتها خوفا من الاعتقال أو من الوضع تحت الحراسة،
وبقيت شبه مسجونة في شقتها في الدور السادس طوال ١٨ عاماً، لا تزور أحداً ولا يزورها أحد.
وصارت تتنقل بفستان قديم، وقد كانت قبل ذلك ملكة للجمال وملكة للأناقة، وجهها شاحب، عيناها
تبکیان بلا دموع، شفتاها ترتعشان بلا نطق، قلبها ینزف بلا دم، روحها تصرخ بلا صوت.
هذه المرأة التي ملأت الدنيا ضجيجاً ودويًا، و كانت الأنوار تسلط عليها في أي مكان تذهب إليه، التي كانت نجمة المجتمع المصري والمجتمع العربي والمجتمع الأوربي والأمريكي، دفعت ثمناً رهيباً لشجاعتها..
وفي يوم ٢٠ سبتمبر ١٩٧٥ التف جمع من الناس حول ملاءة بيضاء بمدخل العمارة التي كانت تسكنها، وقال المتجمعون إن سيدة ألقت بنفسها من شرفة الطابق السادس.
وتحت الملاءة البيضاء كانت جثة درية شفيق!




