كتب / المستشار محمد إبراهيم مسلم
المحامي بالنقض
شهد المجتمع المصري في فترات مختلفة تصاعدًا في بعض السلوكيات الإجرامية القائمة على الترويع وفرض السطوة، وهي الأفعال التي اصطلح على تسميتها بـ«البلطجة». وقد تدخل المشرّع بحسم، فنص في قانون العقوبات المصري على تجريم استعراض القوة أو التلويح بالعنف أو التهديد باستخدامه، إذا كان ذلك بقصد ترويع المجني عليه أو فرض السيطرة عليه أو المساس بحريته وأمنه.
فلم يكن تجريم البلطجة مجرد إضافة نص عقابي، بل كان تعبيرًا عن إرادة تشريعية لحماية الطمأنينة العامة باعتبارها إحدى دعائم الاستقرار المجتمعي. فالجريمة لا تقوم فقط عند وقوع إصابة، وإنما يكفي أن يكون الفعل من شأنه بث الرعب في نفس المجني عليه أو تعكير صفو الأمن العام.
وهنا تتجلى طبيعة هذه الجريمة باعتبارها جريمة خطر، إذ لا يشترط فيها تحقق نتيجة مادية، بل يكفي تعريض المجتمع للخطر. ولهذه الجريمه اركان لكى تكتمل
حيث تقوم الجريمة على ركنين أساسيين:
الركن مادي: يتمثل في استعراض القوة أو التهديد أو استخدام العنف.
والركن المعنوي: قوامه القصد الجنائي الخاص، أي نية الترويع أو فرض السطوة.
وقد استقرت أحكام محكمة النقض على أن تقدير توافر هذا القصد من إطلاقات محكمة الموضوع، متى كان استخلاصها سائغًا ومستندًا إلى أوراق الدعوى.
لذلك شدّد المشرّع العقوبة إذا اقترنت الجريمة بظروف معينة، كحمل سلاح، أو ارتكابها ليلاً، أو من أكثر من شخص، أو إذا ترتب عليها إصابة أو عاهة مستديمة أو وفاة. وفي بعض الحالات قد تصل العقوبة إلى السجن المؤبد، وهو ما يعكس جسامة الفعل وخطورته.
غير أن التطبيق العملي يثير تساؤلات مهمة، خاصة في ضوء التوسع أحيانًا في توجيه الاتهام في مشاجرات عادية بوصفها «بلطجة»، رغم أن النص يتطلب قصدًا خاصًا يتمثل في نية الترويع أو فرض الهيمنة.
ومن ثم، فإن العدالة تقتضي التحقق الدقيق من توافر أركان الجريمة، وألا يُصار إلى التوسع في تفسير النصوص الجنائية، التزامًا بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وصونًا لقرينة البراءة.
وفى النهايه
فإن مواجهة البلطجة ضرورة لحماية المجتمع، لكن قوة النص لا تغني عن دقة التطبيق. فالقانون وُضع لحماية الحقوق، لا للمساس بها، وتحقيق الأمن لا ينفصل عن احترام الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة.