
الإعلانات تغرينا.. والوعي يحمينا!
هل نجح الإعلام في إنقاذ الشعب من فخ الإسراف؟
✍️ د. سامح فرج حموده-باحث في قضايا الإعلام والمجتمع.
في وقتٍ تزداد فيه أسعار السلع، وتتراجع فيه القدرة الشرائية، ويتحول المواطن من مستهلك إلى باحث عن النجاة، يصبح الوعي الاستهلاكي ضرورةً لا رفاهية. هنا يظهر سؤال جوهري:
هل يؤدي الإعلام المصري دوره في ترشيد سلوك الجمهور؟ أم أنه شريك – عن قصد أو دون قصد – في تكريس ثقافة التباهي واللهث خلف المظاهر؟
يومًا بعد يوم، تغزو الإعلانات كل الشاشات، منصات التواصل، شوارع المدن وحتى أبواب البيوت. تسوّق لنا أحلامًا مغلفة بكلمات براقة: “عيش الرفاهية”، “كن الأفضل”، “اللي معاه يشترى”. لكن كم من هؤلاء المبهورين يسقط في فخ الديون والقروض والتقليد الأعمى؟
في المقابل، أين الإعلام الواعي الذي يبني، ويرشد، وينصح؟ هل يكفي أن تقدم بعض البرامج فقرة سريعة عن التوفير؟ هل نكتفي بمداخلات من خبير اقتصاد يتحدث بلغة لا يفهمها المواطن؟ أم أننا بحاجة إلى إعلام جديد يُخاطب الشعب بلغة بسيطة وعقلانية، يزرع ثقافة القناعة دون التخويف، ويروّج لفكرة “الاستهلاك المسؤول” بدلًا من ثقافة “الاستهلاك الاندفاعي”؟
الوعي الاستهلاكي لا يعني التقشف القاسي، بل يعني أن تشتري ما تحتاج، لا ما يُقنعك به إعلانٌ لامع. أن تفرّق بين الضروريات والكماليات. أن تفهم كيف تدير دخلك، لا أن تُدار أنت من قِبَل السوق.
وما يزيد الأمر خطورة هو أن الإعلام أحيانًا يخلط بين الترويج والتضليل. كم من إعلان غذائي أو دوائي مُضلِّل استمر عرضه دون رقابة؟ وكم من “يوتيوبر” يُروّج لمنتجات رديئة مقابل حفنة من الأموال، دون أي وازع من ضمير؟
ومع غياب برامج تثقيفية حقيقية عن إدارة الأموال والتسوق الذكي والاستهلاك الآمن، تزداد الفجوة بين الوعي والسلوك. الأطفال الآن يحفظون أسماء الماركات أكثر مما يحفظون أسماء الصحابة. والشباب يُقيّمون بعضهم على أساس “معاك موبايل إيه؟”، لا “معاك عقل إزاي؟”.
فأين الإعلام من كل ذلك؟
المطلوب ليس إلغاء الإعلانات، بل موازنتها بخطاب إعلامي توعوي صادق ومستمر. مطلوب من الدراما أن تُقدّم نماذج لأسر واعية لا فقط أسر مترفة. مطلوب من الصحافة أن تنشر تحقيقات عن مخاطر الاستدانة من أجل المظاهر. مطلوب من السوشيال ميديا أن تتحول من منصة للتفاخر إلى ساحة لرفع الوعي.
بل إن دور الإعلام يجب أن يتجاوز النصائح السطحية إلى تغيير الثقافة ذاتها. إعلام يحفّز الجمهور على الادخار، يشرح الفرق بين السعر والقيمة، يُظهر جمال البساطة لا بذخ المظاهر، ويعيد الاعتبار لكلمة “بركة”.
إن ترسيخ الوعي الاستهلاكي في المجتمع المصري ليس مهمة الحكومة وحدها، بل مسؤولية كل وسيلة إعلامية. فالمواطن البسيط الذي يقف حائرًا أمام أرفف السوبر ماركت لا يحتاج فقط إلى خصومات، بل إلى إعلام صادق يقول له:
“اختر ما تحتاج… لا ما يُقنعونك أنك تحتاجه.”




