الوداع الأخير … حينما رحلت روحي قبل أن ترحل هي

كتبت ميار سامي
كانت الليلة طويلة، أطول من كل الليالي.. إحساس غريب كان يطاردني، كأن هناك صوتًا خفيًا يهمس لي: “استعدي.. هناك شيء قادم.” لكنني رفضت الاستماع، رفضت حتى أن أفكر في أي شيء قد يؤلم.
الساعات الأخيرة..
كان نَفَسها متقطعًا، روحها تُصارع، لكنها كانت دومًا أقوى من الألم، أقوى من المرض، أقوى من كل شيء. ذهبت إلى المستشفى، وبقيت أنا في المنزل مع إخوتي النائمين. كنت وحدي مستيقظة، يراودني القلق، لكن لم يخطر ببالي، ولو للحظة، أن هذه قد تكون الليلة الأخيرة لها بيننا.
حتى دق الجرس..
كان الطرق على الباب هادئًا، لكن في هدوئه رعبًا لم أشعر به من قبل.
فتحت الباب.. رأيتها تُحمل بطريقة لم أرها بها من قبل. حتى في أشد لحظاتها ألمًا، كانت تعود إلينا على قدميها، بابتسامتها، بعبارتها المعتادة: “أنا بخير.”
لكن هذه المرة.. عادت صامتة، عادت محمولة، عادت بلا عودة.
ركضت إلى الداخل، ألقيت على نفسي عباءة فوق ملابسي، وكأنني كنت أهرب من مواجهة الحقيقة. دخلت غرفتها، كانت ملفوفة بالكفن.. ذلك اللون الأبيض الذي لطالما تخيلتها فيه يوم زفافها، وليس يوم رحيلها!
خالتي حاولت أن تخدعني خوفًا عليَّ، همست بصوت مرتجف:
“إنها نائمة يا حبيبتي..”
لكن قلبي لم يصدق، لم يطمئن، لم يستوعب.
سألتها كطفلة تبحث عن إجابة تطمئنها، لا تؤلمها:
“إذًا.. لماذا لففتموها هكذا؟”
نظرت أمي إلى خالتي، وقالت بثقة مؤلمة:
“ميار قوية.. وستفهم.”
ثم قالت الجملة التي حطمتني، الجملة التي ما زالت تتردد في عقلي حتى اليوم، توقظني من النوم، تخنقني في صلاتي، تقتلني في وحدتي:
“أختك ماتت.”
تجمدت، شردت، توقف عقلي عن العمل.. فجأة، لم أعد أسمع شيئًا، لم أعد أشعر بأي شيء، وكأن الزمن قد توقف، وكأن كل شيء أصبح بلا معنى.
ثم فجأة، شعرت بجسدي يسقط، لم أعد قادرة على حمل نفسي. خالتي أسرعت إليّ، ضمتني إلى صدرها، وهمست:
“تماسكي.. ماما وإخوتك بحاجة إليك!”
وكأن صفعة أيقظتني، صوت داخلي صرخ:
“لا وقت للضعف.. كوني قوية!”
لكن كيف أكون قوية وأنا للتو فقدت نصف روحي؟ كيف أتماسك وأنا أشعر بأن جزءًا مني قد رحل للأبد؟
وأذن الفجر..
وصوت المسجد يجلجل في أذني، يخترق أعماقي:
“صلاة الجنازة على روح مريم فلانة الفلانية..”
لا.. لا.. ليس اسمها.. ليس هي!
أرادوا أن يخبروني بالحقيقة، لكنني كنت أهرب منها. وقفت هناك، صامتة، بين دموع الجميع، بينما كنت عاجزة حتى عن البكاء.
جلست بجوارها، أمسكت بيدها الباردة، ضغطت عليها وكأنني أنتظر أن تبادلني الضغط.. لكنها لم تفعل.
قبلت جبينها.. كان باردًا، لكنها كانت مبتسمة.. ابتسامة تحمل سلامًا غريبًا، وكأنها تهمس لي: “أنا في مكان أفضل.”
غطيتها برفق، ثم أخرجوني من الغرفة.. لم يكن مسموحًا لي بالبقاء أكثر.
غسلوها.. كفنوها.. ثم أخرجوها من المنزل، لكنها لم تكن تمشي خارجة كما كانت تفعل، لم تودعني، لم تلتفت إليَّ، لم تبتسم لي للمرة الأخيرة.
خرجتُ إلى الشرفة، رأيتهم يحملونها، يسرعون بها نحو المقابر، خطواتهم متعثرة، وكأنها كانت تسابق شوقها إلى لقاء ربها، وكأن روحها وجدت الراحة أخيرًا، هناك.. حيث لا وجع، لا مرض، لا ألم.
وقفت هناك.. متجمدة، صامتة، قوية في أعين الجميع، لكن داخلي كان ينهار، كان يصرخ، كان يتوسل أن يكون كل هذا مجرد كابوس، مجرد حلم سأستيقظ منه قريبًا.
لكنني لم أستيقظ..
لأنها حقًا رحلت.
مر رمضان الأول دونها.. ثم الثاني..
لكن الوجع لم يمر، لم يهدأ، لم يتلاشى. ما زلت أبحث عنها في كل ركن، في كل لحظة، في كل تفاصيل حياتي التي كانت تملؤها.
كان عمرها 18 عامًا..
كانت تحلم، كانت تضحك، كانت تحيا..
لكن السرطان كان أقوى..
وخطفها قبل أن تودعني، قبل أن أخبرها كم أحبها، قبل أن أستعد للحياة بدونها.
رحمكِ الله يا مريم.. أسأل الله أن يجعل قبركِ روضة من رياض الجنة، وأن يرزقكِ الفردوس الأعلى بلا حساب ولا سابقة عذاب. اللهم اجعل القرآن أنيسها، وأغدق عليها من رحمتك، واسقها من حوض نبيك شربة لا تظمأ بعدها أبدًا.
اللهم اجمعني بها في جنتك كما جمعتني بها في الدنيا، ولا تحرمني أجرها، ولا تفتني بعدها.




