• المجانين في نعيم : —————-

• بقلم الكاتب : عبد العزيز الطباخ
• ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
… إن قبسا صغيرا من نور الخيال الخصب الجميل .. يكفي أحيانا ليذكر القلب بأن الغد قد يحمل لنا شيئاً جميلاً يستحق أن نعيش من أجله ، وأن نجاهد للوصول من أجل تحقيقه .. فجميعنا يحتاج أن نخرج لحظات من بين براثن الواقع لنعيش فى تلك العوالم الخيالية …
… وفي عالم مليء بالعنف والشر والدمار علي يد جحافل كارهي الحياة والبشر .. نسعي جاهدين أن نلون حياتنا بألوان من التفاؤل ، لترميم الجروح والمآسي التي تخلفها الحياة فينا .. ولكن الكاتب يسعي جاهداً لإسعاد البشر والتعبير عن معاناتهم ، فتجده هناك فى صومعته يبحث فيما هو أعمق من ذلك .. إنه يبحث دائما عن الحب الذي مات فى القلوب ، وشيعت جنازته ، فى محاولة منه لبعثه من جديد فى قلوب البشر .. حتي أن أحد الصوفية يقول فى لحظة صدق : ( إن قلمي ينكسر الي شظايا عندما أكتب كلمة حب ) .. إنه يعرف جيدا قيمة هذه الكلمة .. فالحب هو السلام .. هو الطمأنينة .. هو الراحة الأبدية .. هو الانسجام الروحي .. وهو لغة التواصل الراقي بين أبناء البشر منذ بدء الخليقة …
… وكثيراً ما تكون الأحلام متنفساً للروح .. أو نافذة لرؤية الجمال الذي تكاد تغرب شمسه فى القلوب ، وكأن لم يعد له وجود .. أما الخيال الخصب الجميل فهو قرين التفاؤل .. وهو ليس دائما هروبا من الواقع .. بل قد يكون إستراحة للروح يستروح فيها الإنسان ويرتوي من نسمات الأمل ، وفسحة يتنفس فيها من رحيق التفاؤل …
… وفي روضة الخيال يولد الأدب ، ويعيش الأديب يرسم من خلاله ظلالا من الجمال يتغلب فى ظلها على قسوة العالم ، ومنه تنبثق أفكاره البناءة …
… والخيال : لا يعني العزلة الكاملة عن الحياة ، فيصبح الإنسان متخليا عن واجبه ودوره فى الإصلاح .. بل أن نجعل منه نورا نستضيء به في ظلمات العالم .. لذا فالحكمة تكمن فى التوازن بينهما ، بمعني أن نري الواقع بعيون الحقيقة دون زيف أو تضليل ، بشرط ألا نفقد روح الجمال والقدرة على الحلم .. فنحتضن الأمل في قلوبنا ونحن نسير وسط وعورة الطريق .. ونعيش الواقع بقسوته ونحن نحمل بين ضلوعنا خيالاً باسما يذكرنا بأن العالم ما زال يحمل المعني بأن الغد قد يدخر لنا بين طياته الأجمل والأروع …
… ومن النوادر المضحكة والتي تدعو للتأمل على لسان الكاتب الروماني ( إميل سيوران ) .. والذي تتسم جميع كتاباته بالعمق والتأمل : ــ يقول / كنت أتجول فى حديقة إحدى مستشفيات الأمراض العقلية ــ إقترب مني أحد النزلاء ، وتحدثنا سويا .. قلت له مبتسماً : ( يبدو أن الجميع هنا سعداء ) .. أجابني تلقائياً وبكل هدوء ( طبعاً ــ من المفيد أن يكون المرء مجنونا ) .. قلت له مستنكراً : ( ولكنهم سجناء ) .. فأجابني بابتسامة خفيفة : وهو كذلك إن شئت .. ولكن مآلا تعرفه ، أن الحياة في الخارج لا تطاق ، أما المكان هنا فهو آمن .. فالحروب في العالم لا تنتهي ، وفى الحرب لا يقصفون مستشفيات المجانين .. لو كنت مكانك لحجزت مكانا هنا على الفور .. غادرته وأنا مندهش .. وعندما سألت عنه : قيل لي : أنه مجنون .. قلت لهم : كيف يكون مجنونا ، ولم يقدم لي احد فى حياتي نصيحة أعقل من ذلك …
… نعم … أليس المجانين في نعيم كما يقولون .. خاصة فى هذا الزمان العجيب .. وهل الأمر يستدعي أن يحجز الإنسان فى عصرنا هذا ، مكانا له فى مستشفي المجانين لكي يعيش سعيداً مثل هؤلاء القوم السعداء ، أم نعيش تعساء بعقولنا ، وسط مجتمع كثرت فيه الذئاب ؟؟؟
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””




