
بقلم الكاتب: عبدالعزيز الطباخ
————– ——————–
… قد يظن البعض أن حياتنا لاتسير إلا وفقا لمخططاتنا .. بينما يظن البعض الآخر أن حياتنا تنحصر فيما يفرضه علينا القدر ، وأنه لا عبرة بمخططاتنا ، وحساباتنا ، وأحلامنا فى الحياة .. بينما الحقيقة المؤكدة أن كلا الظنين يربطهما رباط واحد لا ينفصل ، وأنه لابد لهما أن يتلاقيا ، حتي يمكننا السير فى دروب الحياة دون أن نتعثر .. فنحن نخطط لأن رب العزة سبحانه خلق لنا عقلا نفكر به ، وأحلاما وطموحات ، نتمني أن تتحقق ، فنعمل جاهدين على تحقيقها بإرادة تشد من أذرنا …
… ولكن كثيراً ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .. ونتفاجأ بأن الحياة تسير علي غير هوانا أو وفقا لما أردناه ، وأن القدر قال كلمته ، وأن ما نخطط له ، وشقينا من أجل تحقيقه سنوات من عمرنا لم يتحقق ، لأن القدر يريد لنا شيئاً آخر .. فنظن في لحظات يأسنا أن الطريق تاه منا ، وأننا خسرنا أحلامنا ، وفقدنا بوصلة حياتنا .. ثم نكتشف بعد سنوات طالت أم قصرت أن ماحدث كان خيراً لنا ، بل هو سبب من أسباب نجاحنا ، بعدما ألقي علينا القدر الرحيم برداء حكمته ، وامتدت إلينا يده مترعة بالشفقة والرحمة والحنان ، فكانت بلسما يطيب إلينا ما أخذته منا الحياة …
… هنآ نصل إلى نتيجة مفادها أن الحياة هى فى حقيقتها تبدأ حين نفكر ونتعلم ونعرف ما نريده منها ثم نخطط له ، ونجاهد من أجل تحقيقه .. ثم نتقبل في النهاية كلمة القدر بكل رضا ، ودون تأفف أو ضجر أو شكاية ، وأن نقتنع بأن الحياة هى مزيج بين ما نحلم به ، وبين ما تخطه لنا يد القدر .. وأنه لابد للطريقين أن يتقاطعا ويتلاقيا حتي تكتمل منظومة الحياة …
… وقد تحدث عن هذه التجربة بكل صدق وواقعية ــ أحد الكتاب اليابانيين ( كنزابورو ) من خلال تجربة شخصية أليمة ألمت به .. في كتابه ( تجربة شخصية ) .. إذ كان يحلم بالسفر إلي دولة أخري يري فيها مكانا لتحقيق أحلامه فى العيش والحرية .. إلا أنه فوجيء بمولود له معاق بإعاقة ذهنية شديدة ، وأن هذه الإعاقة غير قابلة للشفاء حتي بعد تقديم العلاجات المطلوبة .. فعاش الأب ( وهو الكاتب ) يائسا ، ممزقا ، مشتتا بين مسئوليته كأب تجاه تجاه إبنه الصغير ، وبين رغبته في السفر لتحقيق أحلامه وطموحاته .. فيعيش صراعا نفسياً رهيبا .. ولكنه يدرك بعد تفكير طويل أن مواجهة الحقيقة خير من الهروب منها ، وأن الأبوة الصادقة هي مسئولية وجودية تفرض على كل إنسان أن يكون ناضجا ، خالياً من الأنانية ، وأن يتحمل مسؤوليته كأب ، ويتقبل أقداره شاكرا لا ضجرا …
… لقد فكر الرجل ، وحلم بمستقبل باهر من خلال سفره للخارج .. ولكن الأقدار أبت عليه ذلك ، فرزق بمولود معاق ذهنياً ، وهو قدر لا يد له فيه .. ولكنه مع الوقت أدرك أن لكل شيئ حكمة ، لا يدركها في وقتها ، ولا يعلم الحكمة منها إلا الخالق سبحانه وتعالى .. فكان إبنه هذا وهو المعاق سبباً في إتقان الإبن المعاق للموسيقى ، ليصبح موسيقارا مشهوراً .. والأروع من هذا : لقد صار هذا الطفل الجميل مصدراً لإلهام والده ( كاتب الرواية ) …
… نعم : لقد نجح الإبن فى حياته ، ونجح الأب ككاتب مرموق .. لقد كان الألم والحزن على مصير إبنه مصدرا لالهامه ، ورقة قلبه ، ورقي إحساسه : فكتب للناس وأبدع فى كتاباته عن قضايا الأسرة ، والأبوة ، والألم ، والمسئولية
، ونجح فى ذلك أيما نجاح …
… وفي النهاية : طرحت لنا الرواية سؤالاً وجوديا جوهرياً ، يهم كل أسرة : ــ
• هل نحن نحب أبناءنا كما هم
• أم نحبهم كما نتمني أن يكونوا ؟
… وفي النهاية أقول : إن الحياة ليست مانتمني أو نخطط له فقط .. بل أيضاً بالإضافة إلي ذلك ، ما يفرضه علينا القدر .. فإن رضينا أجرنا ونجحنا دينيا ودنيويا. .. وإن لم نرضي بأقدارنا فشلنا دنيا وآخره .. ولن نجني سوي الألم ، والكدر ، والمعاناة …
… وفي الحديث القدسي عن رب العزة ( سبحانه ) : ــ
• عبدي … إن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك ، وكنت عندي محمودا .. وإن لم ترضي بما قسمته لك .. فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش فى البرية ، ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك وكنت عندي مزموما …




