قراءة من حرب ايران

بقلم : يوسف مصطفى
عندما كانت سماء العاصمة الإيرانية تتمزق تحت وطأة الصواريخ التي جاءت رداً على “زلزال بيت شيمش” واستهداف حاملة الطائرات، كان هناك مشهدٌ آخر يجري في صمتٍ مريب على بُعد آلاف الكيلومترات.
في موسكو، خلف جدران “الكرملين” السميكة والزجاج المضاد للانفجار، كان الحليف الروسي يراقب شاشات الرادار ببرودٍ جليدي. لم تكن هناك طائرات “سوخوي” تعترض المعتدين، ولا منظومات “إس-400” تكسر حدة الهجوم الكاسح. في تلك اللحظة الحرجة التي يختبر فيها التاريخ معنى “الشراكة الاستراتيجية”، اختارت روسيا أن تعود إلى سكون “منطقة الظل”.
ساعة الحقيقة: الحليف الذي صار متفرجاً
اكتشف الإيرانيون، وهم يواجهون قدرهم منفردين تحت النيران، أن حسابات موسكو مع واشنطن وتل أبيب ليست مجرد “تفاهمات”، بل هي ثوابت أثقل من أي وعودٍ قطعتها لشركائها في الشرق. أدركت طهران، ربما متأخراً جداً، أن تحالفها مع “القيصر” لم يكن مظلة حماية تقي من مطر القذائف، بل كان مجرد ورقة تفاوض رابحة يلوح بها الروس في بازار صراعاتهم الكبرى، ثم يطوونها بهدوء عندما تقرر القوة العظمى استخدام “خيار الحريق”.
لم تكن نيران طهران تضيء سماء إيران فحسب، بل كانت تكشف الحقائق في عواصم عربية عديدة:
* في الخليج ومصر، كان الموقف يُقرأ بوضوح: روسيا “تاجرٌ بارع” ومورد سلاحٍ سخيّ، وشريك طاقة لا يُستهان به، لكنها ليست “المنقذ” الذي سيكسر المظلة الأمريكية أو يخاطر بمواجهة شاملة لأجل عين حليف.
* الدرس القاسي: من سوريا إلى إيران، تكرر المشهد ذاته؛ دعمٌ كلاميٌ منمق، ومناورات ديبلوماسية في أروقة الأمم المتحدة، لكن عند ساعة الصفر وعزيف الرصاص، ينسحب الروسي إلى خلف زجاجه، تاركاً شريكه يواجه عواصف النجاة وحيداً.
الخلاصة:
التحالف مع موسكو يمنحك “هوامش للمناورة” و”أدوات للضغط”، لكنه لا يمنحك “شهادة حياة” حين تقرر واشنطن وتل أبيب تغيير قواعد اللعبة بالقوة المفرطة. إنها الحقيقة المرة: في عالم القوى العظمى، الحلفاء مجرد “أرقام”، وموسكو لا تخسر أرقامها في حروب الآخرين.




