وهج الشاشات المضيئة: ضريبة خفية يدفعها كبار السن في عالم التواصل

كتب ا.د.على احمد المعماري استاذ الاعلام جامعة الموصل
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فلم يعد استخدام هذه المنصات مقتصرًا على الشباب وحسب، بل امتد ليشمل فئات عمرية أوسع، بمن فيهم كبار السن، وبينما قد يرى البعض في هذا التوجه مجرد تسلية أو مضيعة للوقت، إلا أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على كبار السن يحمل أبعادًا متعددة، ومع تزايد أعداد كبار السن الذين ينخرطون في هذا العالم الرقمي، أصبح من الضروري تسليط الضوء على تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الجانب الصحي لكبار السن، فبينما توفر هذه المنصات فرصًا للتواصل والمعرفة، فإن الاستخدام غير الصحيح وغير المنطقي قد يؤدي إلى مشكلات صحية مزمنة تؤثر على حياتهم الطبيعية، ويمكن توضيحها على المحاور الآتية:
أولا: المشكلات الجسدية الشائعة:
إن الكثير من الأعراض الجسدية التي يعاني منها كبار السن قد تكون مرتبطة بشكل مباشر بالاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، ومنها:
* آلام الرقبة والكتفين: غالبًا ما يتخذ كبار السن أوضاعا غير صحية أثناء تصفح الهواتف أو الآيباد أو اللابتوب أو الأجهزة الأخرى ذات العلاقة، مما يؤدي إلى انحناء الرأس للأمام لفترات طويلة، وهذا الوضع تحديداً يزيد الضغط على الفقرات العنقية، مما يسبب بالنتيجة آلامًا مزمنة في الرقبة والكتفين، وقد يتطور ذلك إلى الداء المزمن المعروف بـ “رقبة التكنولوجيا”.
* إجهاد العين وجفافها: النظر المستمر في الشاشات الساطعة لساعات طويلة يقلل من معدل الرمش، مما يؤدي إلى جفاف العين، واحمرارها، والشعور بالحكة أو الحرقة، كما أن التعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يمكن أن يسبب إجهادًا للعين، وضعفًا في الرؤية، وصُداعًا، وقد يؤثر على جودة النوم كذلك.
* مشكلات العمود الفقري: الجلوس لساعات طويلة بوضع مخطوء أثناء استخدام الأجهزة الإلكترونية يؤثر سلبًا على صحة العمود الفقري، مما يزيد الضغط على الأقراص الفقرية، ويسبب آلامًا في الظهر، ولا سيما في المنطقة السفلية والعلوية، وبذلك يزيد من تفاقم حالات الانزلاق الغضروفي المؤلم.
* الدُّوار والصداع: كثرة التنقل بين الصفحات، والتغير السريع للمحتوى البصري، والتعرض للعديد من المؤثرات البصرية قد يسبب الدوخة والدوار لدى بعض كبار السن، ولا سيما ممن يعانون من حساسية بصرية، كما أن إجهاد العين وشد العضلات في الرقبة يمكن أن يؤدي إلى صداع وتوتر دائمين.
ثانيا: التأثيرات على الصحة النفسية:
تأسيسا على ما ذُكر من التأثير على الجوانب الجسدية، فأنه لا يمكن إغفال تأثير التصفح المفرط في الفضاء الأزرق على الصحة النفسية لكبار السن، نذكر البعض منها:
* اضطرابات النوم: التعرض للضوء الأزرق قبل النوم يمكن أن يعطل إفراز الميلاتونين، وهو الهرمون المسؤول عن تنظيم النوم، مما يؤدي إلى الأرق وصعوبات في النوم، ومعلوم ما لِقلة النوم من تأثير سلبي على الصحة العامة.
* التوتر والقلق: قد يتعرض كبار السن لضغط نفسي ناتج عن متابعة الأخبار السلبية، أو الشعور بضرورة الاستجابة المستمرة للرسائل والإشعارات، مما يزيد من مستويات التوتر والقلق لديهم.
* الانعزال الاجتماعي على الرغم من وسائل التواصل تهدف بالأساس إلى الربط المجتمعي، إلا أن الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى الانعزال عن التفاعلات الاجتماعية الحقيقية مع الأهل والأصدقاء، مما يزيد من الشعور بالوحدة/ العزلة والاكتئاب.وعليــــــــه بعد بيان التاثيرات حريٌ بنا تقديم بعض النصائح والإرشادات المهمة التي ينبغي اتباعها بالنسبة للمتصفحين في الفضاء الأزرق ولا سيما من كبار السن، ما يأتي:
* تحديد وقت محدد للاستخدام: وذلك عبر تشجيعهم على تحديد ساعات معينة للتصفح وتجنب الاستخدام المفرط، ولا سيما قبل النوم.
* اعتماد أوضاع صحيحة: تعليمهم كيفية الجلوس بوضعية مستقيمة، ورفع الجهاز لمستوى العين لتقليل الضغط على الرقبة والعمود الفقري.
* أخذ فترات راحة منتظمة، فينبغي عليهم أخذ استراحة قصيرة، وتحريك الرقبة والكتفين، والنظر بعيدًا عن الشاشة لعدة ثوانٍ لراحة العينين.
* استخدام واقيات الشاشة وفلاتر الضوء الأزرق: فهذه الأدوات يمكن أن تقلل من إجهاد العين وتحسن جودة النوم.
* التثقيف المستمر ببيان طبيعة العلاقة بين الاستخدام المفرط للأجهزة الرقمية والمشكلات الصحية المذكورة.
* التشجيع على الموازنة بين استخدام وسائل التواصل والأنشطة البدنية والاجتماعية في الحياة اليومية.
وبناء على ما تم تناوله آنفا فإن فهم تأثير وسائل التواصل على صحة كبار السن هو الخطوة الأولى نحو ضمان استخدام آمن ومفيد لهذه التقنيات، فعبر التوعية، والدعم المستمر، وتقديم الإرشادات العلمية والعملية، يمكننا مساعدة كبار السن على الاستمتاع بفوائد العالم الرقمي مع الحفاظ على صحتهم الجسدية والنفسية.




