مقالات
أخر الأخبار

حين يتحوّل الغرور إلى وباء… وتُصبح الحماقة بطولة!

حين يتحوّل الغرور إلى وباء… وتُصبح الحماقة بطولة!

بقلم: د. سامح فرج حموده – باحث في قضايا الإعلام والمجتمع

 

“يا ويح مجتمعنا.. إلى أين نسير؟!”

عبارة تتردد في صدور العقلاء وهم يشاهدون مظاهر متزايدة من الغرور والتعالي والحماقة المستشرية في تفاصيل حياتنا اليومية. فأمامك مسؤول يرفض النقد، وشاب يتحدث وكأنه المرجع الأوحد للمعرفة، وصاحب رأي لا يرى إلا صوته، ولا يعترف إلا بحقيقته. مشهد لا يكاد يخلو منه مجلس أو مؤسسة أو حتى تعليق على مواقع التواصل.

 

إن أخطر ما يهدد العلاقات الإنسانية والمجتمعية اليوم ليس الجهل وحده، بل الإصرار عليه في عباءة من الغرور. وقد أثبتت دراسة شهيرة نُشرت في Journal of Personality and Social Psychology أن الأشخاص الأقل كفاءة هم في الغالب الأكثر ثقة في أنفسهم، وهو ما يُعرف علميًا بـ”تأثير دانينغ-كروجر”، حيث يقود الجهل صاحبه إلى المبالغة في تقدير قدراته، بينما يتواضع العارفون لأنهم يدركون حدودهم.

 

في واقعنا، بات من الطبيعي أن ترى إعلاميًا يهاجم فريق إعداده لأنه “لا يخطئ”، رغم أن أخطاءه تُعرض على الهواء مباشرة! وترى مسؤولًا يرفض أي اقتراح تطوير لأنه “الأعلم”. وعلى مواقع التواصل، تجد من يهاجم كل مخالف، ويصف من ينتقده بأنه “حاقد”، وكأن الرأي لا يحتمل إلا صوتًا واحدًا.

 

هنا لا تنفع المحاورة، ولا يُجدي النقاش، لأن المشكلة ليست في “الفهم”، بل في “النية”. فقد قال القدماء: “لكل داء دواء إلا الحماقة أعيت من يداويها”، لأن الأحمق لا يعترف بجهله، والمغرور لا يُبصر سوى نفسه، والمتكبر لا يرى في الآخرين قيمة.

 

دورنا إذًا ليس أن نكون “أطباء نفسيين” لكل هذه النفوس المريضة، بل أن نتحلى بالحكمة في التعامل معهم: لا تُجادل أحمقًا فتبدو مثله، ولا تُصرّ على إفهام من لا يريد أن يفهم، ولا تنشغل بمن أرهق نفسه في عبادة ذاته.

 

اللهم اهدنا واهدِ بنا، ولا تجعلنا من الذين يظنون أنفسهم شيئًا وهم في الميزان لا شيء، ووفقنا أن نكون من أهل الوعي الذين يُرممون ما تهدم من أخلاق، ويدفعون بأدبهم وعقلهم عجلة المجتمع إلى الأمام، لا إلى الخلف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى