حين نصافح أنفسنا القديمة :

بقلم الكاتب : عبدالعزيز الطباخ
—————– ————————-
… هنآك لحظات لآ يطرق الإنسان فيها باب العالم .. بل يطرق باب نفسه .. ينسحب في هدوء من ضجيج الأيام ، ويجلس وحيداً أمام مرآة العمر ، لآ ليتأمل ما تغير فى ملامحه ، بل ليتأمل ما تغير في قلبه .. هنآ .. تصمت الأصوات الخارجية ، وتبدأ الأصوات القديمة في الظهور ، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد …
… أحياناً … لآ نفتقد شخصاً معيناً ، ولا مكانا محددا ، ولا زمانا بعينه .. وإنما نفتقد شعورا كان يسكننا ، وإحساسا رافق خطواتنا في مقتبل العمر ، ثم تواري شيئاً فشيئا تحت ركام المسئوليات .. نظنه قد رحل ، بينما هو في الحقيقة مازال يقيم هنآك : في زاوية هادئة من أرواحنا ، ينتظر منا أن نزوره ، أو ندعوه لزيارتنا .. وعندما نلاقيه : ننفض عنه تراب العمر .. نقبله .. نبكي عليه .. ثم نعيده تارة أخرى على أمل اللقاء مرة ثانية …
… ولعل أجمل الرحلات التي نقوم بها ، ليست تلك التي تقطع المسافات ، وإنما تلك التي تقطع السنين ، فنعود خلالها إلي جزء عزيز من أنفسنا ، ظنناه قد ضاع منا .. هنآ .. نفتح دفتر حياتنا ، ونقلب صفحات الذاكرة .. لآ لنبكي على الماضي ، بل لتستعيد ذلك النبض القديم الذي كان يمنح الأشياء معناها ، وللأيام بريقها ، وللروح خفتها …
… و هآ أنذا .. أعود إلى الماضي بكل ذكرياته ــ أبحث عن شعور فقدته منذ سنواتٍ طويلة .. عن ذلك الإحساس الجميل الذي كان يملأ القلب قبل أن تثقله الأيام .. كنت أفتش عنه بين الوجوه ، فى الشوارع ، وبين الطرقات ، وفي دفاتر العمر القديمة ، حتى أدركت أن هناك بعض الأشياء لا تضيع ، وإنما تختبئ في أعماقنا ، تنتظر منا لحظة صفاء لتعود إلينا من جديد …
… وكلما جلست على ضفاف الذكريات ، شعرت بطيفه يقترب مني في هدوء ، كنسمة رقيقة ، أو نغمة حلوة شاردة تعرف طريقها نحو القلب مهما طال الغياب .. يزورني كلما أردت أن ألتقي بالجزء البريء من نفسي ، ذلك الجزء الذي لم يلوثه خبث البشر ، ولم تشوهه خيبات الحياة .. عندئذ شعرت أن الزمن لم ينتصر علي تماما ، وأن شيئا جميلا ما زال يسكنني ، وما زال يقاوم شبح الشيخوخة في داخلي …
… فكم من مشاعر ظننا أنها ماتت ، ودفنت تحت رماد الذكريات ، فإذا بها تنهض من تحت الرماد : بكلمة طيبة ، أو رائحة محببة إلي القلب ، أو لحن قديم ، أو وجه بريء ، أو صورة مازالت تسكن الذاكرة . وكأن الذاكرة لا تحفظ الأحداث وحدها ، بل تحفظ الأرواح التي كنا عليها ، وتعيد إلينا شيئًا من نبضها ، ونضارتها كلما اشتقنا إليها …
… لقد سرقت منا الحياة الكثير ، وآلمتنا كثيراً ، ونحن نسابق الزمن سعيا خلف مسؤولياتها ، حتى نسينا أن أجمل ما نملكه لم يكن في الأشياء ، بل في الطريقة التي كنا نرى بها الأشياء .. كنا نفرح بالقليل ، ونحلم بالكثير .. وكنا نؤمن أن الغد يحمل لنا دائماً بشري أو مفاجأة جميلة . حتي مر العمر ، وتبدلت الملامح ، وتغيرت الأولويات ، وبقي ذلك الشعور القديم ساكنا في تلك الزاوية البعيدة من القلب ، لا يموت ، ولا يطالبنا بشيء ، سوى أن نتذكره ، ولا ننساه …
… ولعل أجمل ما في الحنين أنه لا يعيد إلينا الماضي كما كان ، بل يعيد إلينا أنفسنا كما كنا .. يهمس في آذاننا بأن الإنسان قد لا يفقد أجمل أيامه ، وإنما يفقد أحياناً القدرة على الشعور بها ، فإذا عاد إليه ذلك الإحساس ، عاد إليه شيء من نبض الحياة ، ولو للحظات يتوقف فيها قطار الزمن فى إحدي محطاته القديمة …
… والآن … ربما … لم أعد أبحث عن ذلك الشعور في الطرقات البعيدة ، بعدما اكتشفت أنه لم يغادرني يوما ، بل كان يسكن قلبي في صمت ، ينتظر مني أن أخفف عن روحي بعضا من ضجيج الحياة ، حتى أسمع صوته من جديد .. وعندها أيقنت أن أجمل ما فقدناه ليس بعيدا عنا .. بل يعيش في أعماقنا ، ينتظر منا أن نعود إليه ، قبل أن نطلب منه أن يعود إلينا …
***********************************




